تظفر به الإنسانية، وما يأتي لها ذلك إلا إذا أصبحت تلك المعاني التي أومأنا إليها شعورًا اجتماعيا عاما مقررا في النفس، قائما فيها على إيمان راسخ بأن الفرد هو صورة المجتمع لا صورة نفسه وحدها، وأن الناس كحب القمح في السنبلة، ليس لجميعه إلا قانون واحد، فموضع كل حبة من السنبلة هو ثروتها، علت أو سفلت، وكثر ما تأخذه أو قل؛ وإذا كان أساس الحياة في الحبة منها أن تجد قوامها وكفايتها من مادة الأرض، فتمام الحياة فيها أن يغمرها النور من حولها، وأن يستمر النور من حولها يغمرها.
فالحبة من السنبلة بكل خير على كل حال، إنها لتنزع وما بها أنها نزعت، ولكنها أدت ما تؤدي، وانقطعت من قانون لتتصل بقانون غيره، وما اغتنت ولا افتقرت، ولا أكثرت ولا أخفت بل حققت موضعها، فإنها ما نبتت لتبقى، وما نمت إلا لينقطع نماؤها، وكذلك المؤمن الصحيح الإيمان الصادق النظر في الحياة, هو أبدًا في قانون آخرته، فهو أبدًا في عمل ضميره.
والناس في هذه الحياة كحشد عظيم يتدفق من مضيق بين جبلين ينفذ إلى الفضاء؛ فإذا هم أدركوا جميعا أنهم مفضون إلى هذه النهاية مروا آمنين وكان في يقينهم السلامة، وفي صبرهم الوقاية، وفي نظامهم التوفيق، وفي تعاونهم الحياة؛ فهم بكل خير على كل حال، ما دام هذا قانون جميعهم؛ فأيما رجل شذ منهم فاضطرب فطاش، هلك وأهلك من حوله، ومن عكس منهم موضعه ونكص على عقبيه، أهلك من حوله وهلك، والموت أشقى الموت هنا في هذا المضيق بين الجبلين, اعتبار الحاضر حاضرًا فقط، والضجر منه، وجعل كل إنسان نفسه غاية، والحياة أهنأ الحياة, اعتبار الحاضر بما رواءه، والصبر على شدته، وجعل الإنسان نفسه وسيلة.
فذلك معنى خبز الشعير، والقلة والضيق, ورهن الدرع عند يهودي من سيد الخلق وأكملهم، ومن لو شاء لمشى على أرض من الذهب، فهو صلى الله عليه وسلم يعلم الإنسانية أن الرجل العظيم النفس لا يكون في الحياة إلا ضيفا نازلًا على نفسه.