نفسه قد طاح بها الموت، أو هي مريضة وذلك أول الموت؛ أو غافلة وذلك شبه الموت؛ أما الحي العظيم فهو الذي يحيا بأكثر خصائص نفسه، وأما الحي الأعظم فهو الذي يحيا بجميع خصائصها، تملؤه الحياة فيملأ الحياة، ويتمدد السر فيه ليريه حقائق الأشياء ويهديه ويدله، فيكون بنفسه رؤية للناس وهداية ودلالة؛ ومثل هذا يعظم ثم يعظم حتى ليرى الفرق بينه وبين غيره كالفرق بين نور لبس اللحم والدم، وبين تراب لبس الدم واللحم.
وذلك لا يكاد يتفق إلا في مراتب أعلاها الامتياز في النبوة، ثم تدنو إلى النبوة؛ ثم تنزل إلى الامتياز في الحكمة؛ ثم تهبط إلى عبقرية الشعر. فأكبر الشعراء قاطبة كالنبي في معناه إلا أنه نبي صغير, وإلا أنه في حدود قلبه.
وهذه القوى الثلاث هي التي أبدعتها الحكمة الإلهية لتحويل الحياة والسمو بها؛ فالشاعر يستوحي الجمال إذا تأله الجمال في قلبه، والحكيم يستوحي الحقيقة إذا تألهت في نفسه، والنبي يستوحي الألوهية نفسها.
"كان صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان"ولكنها أحزان النبوة تكسو الحياة فرح النفس الكبيرة؛ وهو فرح كله حزن وتأمل، وفكرة وخشوع, وطهر وفضيلة؛ وما فرح أعظم الشعراء بطرب الوجود وجمال الموجودات إلا شيء قليل من حزن النبي.
"وكان دائم الفكرة ليست له راحة"إذ هو مكلف أن يصنع الإنسان الجديد وينفخ الآدمية فيه. وفكرة النبي هي معيشته بنفسه مع الحقائق العليا، إذ لا يرى أكثرها تعيش في الناس، وهي الفردية واستقلالها وسموها؛ لأنها إطاقة النفس الكبيرة لوحدتها، بخلاف الأنفس الضعيفة التي لا تطيقها، فدأبها أبدًا أن تبحث عما تستعبد له، أو تنسى ذاتها فيه، أو تستريح إليه من ذاتها. ومتى كانت النفس فارغة كان تفكيرها مضاعفة لفراغها، فهي تفر منه إلى ما يلهيها عنه؛ ولكن العظيم يعيش في امتلاء نفسه؛ وعالمه الداخلي تسميه اللغة أحيانا: الفكرة؛ وتسميه أحيانا: الصمت.
"وكان صلى الله عليه وسلم طويل السكت لا يتكلم في غير حاجة"ومن الصمت أنواع: فنوع يكون طريقة من طرق الفهم بين المرء وبين أسرار ما يحيط به؛ ونوع