فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 1123

العدوّ الثائر الذي قطعها من مصادر نفسه ومواردها. أما حكم الحبيبة في هذا الضمير الإنساني فهو أنها في هذا الموضع ليست حبيبة, ولكنها شَحَّاذة رجال.

لسنا ننكر أن صاحب هذه المشكلة يتألم منها ويتلذع بها من الوَقْدة التي في قلبه؛ بيد أننا نعرف أن ألم العاقل غير ألم المجنون، وحزن الحكيم غير حزن الطائش؛ والقلب الإنساني يكاد يكون آلة مخلوقة مع الإنسان لإصلاح دنياه أو إفسادها؛ فالحكيم من عرف كيف يتصرف بهذا القلب في آلامه وأوجاعه، فلا يصنع من ألمه ألمًا جديدًا يزيده فيه، ولا يُخرِج من الشر شرًّا آخر يجعله أسوأ مما كان. وإذا لم يجد الحكيم ما يشتهي، أو أصاب ما لا يشتهي، استطاع أن يخلق من قلبه خلقًا معنويًّا يُوجده الغنى عن ذلك المحبوب المعدوم، أو يوجده الصبر عن هذا الموجود المكروه؛ فتتوازن الأحوال في نفسه وتعتدل المعاني على فكره وقلبه؛ وبهذا الخلق المعنوي يستطيع ذو الفن أن يجعل آلامه كلها بدائع فن1.

وما هو فكر الحكماء إلا أن يكون مصنعًا تُرسَل إليه المعاني بصورة فيها الفوضى والنقص والألم؛ لتخرج منه في صورة فيها النظام والحكمة واللذة الروحية.

ــــــــــــــــــــــــــ

1 استوفينا هذه المعاني في كثير مما كتبنا، وبعضها في مقالات"الجمال البائس".

يعشق الرجل العامي المتزوج، فإذا الساعة التي أوبقته في المشكلة قد جاءته معها بطريقة حلها: فإما ضرب امرأته بالطلاق، وإما أهلكها باتخاذ الضرة عليها، وإما عذبها بالخيانة والفجور؛ لأن بعض العبث من الطبيعة في نفس هذا الجاهل هو بعينه عبث الطبيعة بهذا الجاهل في غيره، كأن هذه الطبيعة تُطلق مدافعها الضخمة على الإنسانية من هذه النفوس الفارغة.

وليس أسهل على الذكر من الحيوان أن يحل مشكلة الأنثى حلا حيوانيا كحل هذا العامي، فهو ظافر بالأنثى أو مقتول دونها ما دام مطلقًا مخلًّى بينه وبينها؛ والحقيقة هنا حقيقته هو، والكون كله ليس إلا منفعة شهوانية؛ وأسمى فضائله ألا يعجز عن نيل هذه المنفعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت