فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 1123

إنها كانت حاجة النفس إلى المتاع فانقلبت حاجة إلى الثواب، وكانت شهوة فرجعت حكمة، وكنت أريد أن أبلغ ما أحب فسأبلغ ما يجب. ثم قلت: اللهم إن هذه امرأة تنتظرها ألسنة الناس إما بالخير إذا أمسكتها، وإما بالشر إذا طلقتها، وقد احتمت بي؛ اللهم سأكفيها كل هذا لوجهك الكريم!

قال: ورأيتُني أكون ألأم الناس لو أني كشفتها للناس وقلت: انظروا, فكأنما كنت أسأت إليها فأقبلت أترضَّاها، وجعلت أمازحها وألاينها في القول، وعدلت عن حظ نفسي إلى حظ نفسها1، واستظهرت بقوله تعالى: {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} واعتقدت الآية الكريمة أصح اعتقاد وأتمه، وقلت: اللهم اجعلها من تفسيرها.

قال: فلم تمض أشهر حتى ظهر الحمل عليها، فألقى الله في نفسي من الفرح ما لا تعدله الدنيا بحذافيرها، وأحسست لها الحب الذي لا يقال فيه: جميل ولا قبيح؛ لأنه من ناحية النفس الجديدة التي في نفسها"الطفل". وجعلت أرى لها في قلبي كل يوم مداخل ومخارج دونها العشق في كل مداخله ومخارجه، وصار الجنين الذي في بطنها يتلألأ نوره عليها قبل أن يخرج إلى النور، وأصبحت الأيام معها ربحًا من الزمن, فيه الأمل الحلو المنتظر.

ــــــــ

1 استوفينا بيان هذه المعاني في مقالة:"قبيح جميل".

قال:"وجاءها المخاض، وطرَّقتْ بغلام؛ وسمعتُ الأصوات ترتفع من حجرتها: ولد! ولد! بشروا أباه. فوالله لكأن ساعة من ساعات الخلد وقعت في زمني أنا من دون الخلق جميعًا وجاءتني بكل نعيم الجنة؛ وما كان ملك العالم -لو ملكته- مستطيعًا أن يهبني ما وهبتني امرأتي من فرح تلك الساعة؛ إنه فرح إلهي أحسست بقلبي أن فيه سلام الله ورحمته وبركته، ومن يومئذ نطق لسان جمالها في صوت هذا الطفل. ثم جاء أخوه في العام الثاني، ثم جاء أخوهما في العام الثالث؛ وعرفت بركة الإحسان من اللطف الرباني في حوادث كثيرة، وتنفست علي أنفاس الجنة وفسرت الآية الكريمة نفسها بهؤلاء الأولاد, فكان تفسيرها الأفراح، والأفراح، والأفراح".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت