أوله الملالة، وأنكرته إنكارًا آخر أوله التبرم؛ وعاد كلاهما من صاحبه كإنسان يكلف إنسانًا أن يخلق له الأمس الذي مضى!
"وضربت الحياة ضربة أو ضربتين, فإذا أبنية الخيال كلها هدم هدم، وإذا الطبيعة مؤلفة الرواية, قد ختمت روايتها وقوضت المسرح، وإذا الأحلام مفسرة بالعكس: فالحب تأويله البغض، واللذة تفسيرها الألم، و"البودرة"معناها الجير. وتغير كل ما بينهما إلا الشيطان الذي بينهما، فهو الذي زوج, وهو بعينه الذي طلق".
وكتب أديب من بغداد يقول:"إنه كان في هذا الموضع القَلِق موضع صاحب المشكلة، وإن ذات قرباه التي سميت عليه كانت ملفَّفَة له في حُجُب عدة لا في حجاب واحد، وقد وُصفت له باللغة,وفي اللغة: ما أحسن وما أجمل وما أظرف، وكأنها ظبي يتلفت، وكأنها غصن يميل، وكأن سنة وجهها البدر!".
قال:"وشُبِّهت له بكل أدوات التشبيه، وجاءوا في أوصافها بمذاهب الاستعارة والمجاز، فأخذها قصيدة قبل أن يأخذها امرأة، وكان لم ير منها شيئًا, وكانت لغة ذوي قرابته وقرابتها كلغة التجارة في ألسنة حُذَّاق السماسرة, ما بهم إلا تنفيق السلعة, ثم يُخلون بين المشتري وحظه".
قال: فرسخ كلامهم في قلبي, فعقدت عليها، ثم أعرست بها، ونظرت فإذا هي ليست في الكلمة الأولى ولا الأخيرة مما قالوا ولا فيما بينهما, ثم تعرفت فإذا هي تكبرني بخمس عشرة سنة. ورأيت اتضاع حالها عندي فأشفقت عليها، وبتُّ الليلة الأولى مقبلًا على نفسي أؤامرها وأناجيها، وأنظر في أي موضع رأي أنا؛ وتأملت القصة، فإذا امرأة بين رحمة الله ورحمتي، فقلت: إن أنا نزعت رحمتي عنها ليوشكن الله أن ينزع رحمته عني، وما بيني وبينه إلا أعمالي؛ وقلت: يا نفسي، {إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ} [لقمان: 16] . وإنما أتقدم إلى عفو الله بآثام وذنوب وغلطات, فلأجعل هذه المرأة حسنتي عنده، وما علي من عمر سيمضي وتبقى منه هذه الحسنة خالدة مخلدة.