فإن كانت هذه الحقيقة مسألة حسابية استمر المجنون مدة جنونه يقول للناس: خمسون وخمسون ثلاثة عشر، ولا يصدق أبدًا أنها مائة كاملة؛ وإن كانت مسألة علمية قضى المجنون أيامه يشعل التراب ليجعله بارودًا ينفجر ويتفرقع ولا يدخل في عقله أبدًا أن هذا تراب منطفئ بالطبيعة؛ وإن كانت مسألة قلبية استمر المجنون يزعم أن زوجته قردة أو هردة، ولا يشعر أبدًا أنها امرأة.
فإن صح أن هذا الرجل مجنون فعلاجه أن يُربط في المارستان، ثم يجيء أهله كل يوم بزوجته فيسألونه: أهذه امرأة أم قردة أم هردة؟ ثم لا يزالون ولا يزال حتى يراها امرأة، ويعرفها امرأته، فيقال له حينئذ: إن كنت رجلًا فتخلق بأخلاق الرجال.
أما إن كان الرجل عاقلًا مميزًا صحيح التفكير ولكنه مريض مرض الحب، فلا يرى"النابغة"أشفى لدائه ولا أنجع فيه من أن يستطب بهذه الأشفية واحدًا بعد واحد حتى يذهب سقامه بواحد منها أو بها كلها:
الدواء الأول: أن يجمع فكره قبل نومه فيحصره في زوجته، ثم لا يزال يقول: زوجتي، زوجتي، حتى ينام. فإن لم يذهب ما به في أيام قليلة فالدواء الثاني.
الدواء الثاني: أن يتجرع شربة من زيت الخروع كل أسبوع, ويتوهم كل مرة أنه يتجرعها من يد حبيبته، فإن لم يشفه هذا فالدواء الثالث.
الدواء الثالث: أن يذهب فيبيت ليلة في المقابر، ثم ينظر نظره في أي المرأتين يريد أن يلقى الله بها وبرضاها عنه وبثوابه فيها؛ وأيتهما هي موضع ذلك عند الله تعالى، فإن لم يبصر رشده بعد هذا فالدواء الرابع.
الدواء الرابع: أن يخرج في"مظاهرة"فإذا فُقئت له عين أو كُسرت له يد أو رجل، ثم لم تحل حبيبته المشكلة بنفسها, فالدواء الخامس.
الدواء الخامس: أن يصنع صنيع المبتلى بالحشيس والكوكايين، فيذهب فيسلم نفسه إلى السجن ليأخذوا على يده فينسى هذا الترف العقلي؛ ثم ليعرف من أعمال السجن جد الحياة وهزلها، فإن لم ينزع عن جهله بعد ذلك فالدواء السادس.