ونقلني ذلك إلى نفسي مرة أخرى، فأطرقت إطراقة؛ فقالت: ما بك؟ قلت: بي كلمة الأستاذ"ح"، إنها ألهبت في قلبي جمرة كانت خامدة.
قالت: أو حركت نقطة عطر كانت ساكنة!
فقلت: إن الحب يضع روحانيته في كل أشيائه، وهو يغير الحالة النفسية للإنسان، فتتغير بذلك الحالة للأشياء في وهم المحب."فعطر كذا"مثلًا هو نوع شذيّ من العطر، طيب الشَّمِيم، عاصف النشوة، حادّ الرائحة؛ لكأنه ينشر في الجو روضة قد مُلئت بأزهاره تُشم ولا تُرى؟ وإنه ليجعل الزمن نفسه عَبِقًا بريحه, وإنه ليُفعم كل ما حوله طيبًا، وإنه ليسحر النفس فيتحول فيها.
وهنا ضحكت وقطعت علي الكلام قائلة: يظهر لي أن"عطر كذا"هاجر أو مخاصم.
قلت: كلا، بل خرج من الدنيا وما انتشقتُ أَرَجه مرة إلا حسبته ينفَح من الجنة.
فما أسرع ما تلاشى من وجهها الضحك وهيئته، وجاءت دمعة وهيئتها, ولمحت في وجهها معنى بكيت له بكاء قلبي.
جمالها، فتنتها، سحرها، حديثها، لهوها؛ آه حين لا يبقى لهذا كله عين ولا أثر، آه حين لا يبقى من هذا كله إلا ذنوب، وذنوب، وذنوب!
وأردنا أنا و"ح"بكلامنا عن الحب وما إليه، ألا نُوحشها من إنسانيتنا، وأن نَبُل شوقها إلى ما حُرمته من قدرها قدر إنسانة فيما نتعاطاه بيننا. والمرأة من هذا النوع إذا طمعت فيما هو أغلى عندها من الذهب والجوهر والمتاع؛ طمعت في الاحترام من رجل شريف متعفف، ولو احترام نظرة، أو كلمة. تقنع بأقل ذلك وترضى به؛ فالقليل مما لا يدرك قليله، هو عند النفس أكثر من الكثير الذي ينال كثيره.
ومثل هذه المرأة، لا تدري أنت: أطافت بالذنب أم طاف الذنب بها؟ فاحترامها عندنا ليس احترامًا بمعناه، وإنما هو كالوُجُوم أمام المصيبة في لحظة من لحظات رهبة القدر, وخشوع الإيمان.
وليست امرأة من هؤلاء إلا وفي نفسها التندم والحسرة واللهفة مما هي فيه، وهذا هو جانبهن الإنساني الذي يُنظر إليه من النفس الرقيقة بلهفة أخرى، وحسرة أخرى، وندم