يتحول الماء ثلجًا لولا الضغط نازلًا فنازلًا إلى ما دون الصفر؟ فهذا الثلج ماء يعتذر من تحوله وانقلابه بعذر طبيعي قاهر، له قوة الضرورة الملجئة، وكذلك المرأة المذالة أو الطامحة أو المتبذلة أو المتهتكة, ما صفاتهن إلا توكيد لأعذارهن.
وكان على الحكومة أن تضرب العزوبة ضربة قانون صارم، فالعزب وإن كان رجلًا حرًّا في نفسه، ولكن رجولته تفرض للأنوثة حقها فيه؛ فمتى جحد هذا الحق، واستكبر عليه، رجع حاله مع المرأة إلى مثل شأن الغريم مع غريمه؛ ليس للفصل فيه إلا الدولة أو حكامها وقوتها التنفيذية.
وإذا أُطلقت الحرية للرجال فصاروا كلهم أو أكثرهم أعزابًا، فماذا يكون إلا أن تمحى الدولة، وتسقط الأمة، وتتلاشى الفضائل؟ فالعزوبة من هذا جريمة بنفسها، ولا ينبغي أن تتربص بها الحكومة حتى تعم، بل يجب اعتبارها باعتبار الجرائم من حيث هي، ويجب تفسير كلمة"العزب"في اللغة بمثل هذا المعنى. إنها شخصية مذكَّرة ساخطة متمردة على حقوق مختلفة للمرأة والنسل والأمة والوطن.
وما ساء رأي العزاب في النساء والفتيات إلا من كونهم بطبيعة حياتهم المضطربة لا يعرفون المرأة إلا في أسوأ أحوالها وأقبح صفاتها، وهم وحدهم جعلوها كذلك.
إن لهم وجودًا محزنًا يستمتعون فيه، ولكنهم يَهلكون ويُهلكون به. هم والله لأساتذة الدروس السافلة في كل أمة، وهم والله بغاة من الرجال في حكم البغايا من النساء، يجرون جميعًا مجرًى واحدًا. ومن هي البغيّ في الأكثر إلا امرأة فاجرة لا زوج لها؟ ومن هو العزب في الأكثر إلا رجل فاسق لا زوجة له؟ على أن مع المرأة عذر ضعفها أو حاجتها، ولكن ما عذر الرجل؟
ماذا تفيد الدولة أو الأمة من هذا العزب الذي اعتاد فوضى الحياة، وسيرها على نظامها، وتحققها على أسخف ما فيها من الخيال والحقيقة, وأي عزب يجد الاستقرار, أو تجتمع له أسباب الحياة الفاضلة وهو قد فقد تلك الروح التي تتم روحه، وتنقّحها، وتمسكها في دائرتها الاجتماعية على واجباتها وحقوقها، وتجيئه بالأرواح الصغيرة التي تشعره التبعة والسيادة معًا، وتمتد به ويمتد بها في تاريخ الوطن؟