التطور، فتمشي في الطريق مشي الأنثى من البهائم طَمُوحًا مَطْرُوفة، تذهب عيناها هنا وههنا تلتمس من يخطو إليها الخطوة المقابلة؟
ما هو الحجاب الشرعي إلا أن يكون تربية عملية على طريقة استحكام العادة لأسمى طباع المرأة وأخصها الرحمة, هذه الصفة النادرة التي يقوم الاجتماع الإنساني على نزعها والمنازعة فيها ما دامت سنة الحياة نزاع البقاء، فيكون البيت اجتماعًا خاصًّا مسالمًا للفرد تحفظ المرأة به منزلتها، وتؤدي فيه عملها، وتكون مغرسًا للإنسانية وغارسة لصفاتها معًا.
لقد رأينا مواليد الحيوان تولد كلها: إما ساعية كاسبة لوقتها، وإما محتاجة إلى الحضانة وقتًا قليلًا, لا يلبث أن ينفضي فتكدح لعيشها؛ إذ كانت غاية الحيوان هي الوجود في ذاته لا في نوعه، وكان بذلك في الأسفل لا في الأعلى. غير أن طفل المرأة يكون في بطنها جنينًا تسعة أشهر، ثم يولد ليكون معها جنينًا في صفاتها وأخلاقها ورحمتها أضعاف ذلك، سنة بكل شهر. فهل الحجاب إلا قصر هذه المرأة على عملها، لتجويده وإتقانه وإخراجه كاملًا ما استطاعت؟ وهل قصرها في حجابها إلا تربية طبيعية لرحمتها وصبرها، ثم تربية بعد ذلك لمن حولها برحمتها وصبرها؟
أعرف معلمة ذات ولد، تترك ابنها في أيدي الخدم بعد وصاة علمية سيكولوجية, وتمضي ذاهبة عن يمين الصباح ويمضي زوجها عن شماله. وقد رأيت هذا الطفل مرة، فرأيته شيئًا جديدًا غير الأطفال، له سمة روحانية غير سماتهم، كأنما يقول لي: إنه ليس لي أب وأم، ولكن أب رقم"1"، وأب رقم"2"!
وقد كنتُ كتبت كلمة عن الحجاب الإسلامي قلت فيها:"ما كان الحجاب مضروبًا على المرأة نفسها، بل على حدود من الأخلاق أن تجاوز مقدارها أو يخالطها السوء أو يتدسس إليها؛ فكل ما أدى إلى هذه الغاية فهو حجاب، وليس يؤدي إليها شيء إلا أن تكون المرأة في دائرة بيتها، ثم إنسانًا فقط فيما وراء هذه الدائرة إلى آخر حدود المعاني".