الطبيعة عليها، وبقاؤها في الاجتماع المصري امرأة بلا تأنيث، أو انقلابها فيه رجلًا بلا تذكير!
وكيف لا يكون من المعجزات أن تأليف رواية قد أغنى عن تأليف أسرة؛ وأن فتاة تعيش وتموت وما ولدت للأمة إلا مقالات؟
فقلت: يا صاحبي، دع هؤلاء وخذ الآن في حديث الطائشة الخارجة على التقاليد، وقد قلت: إنها عرضت لك كما يعرضا لمصارع للمصارع.
قال: عرضت لي تريد أن تصرِّفني كيف شاءت، فنبوت في يدها؛ فزادت إلى رغبتها إصرارها على هذه الرغبة، فالتويتُ عليها؛ فزادت إليهما خشية اليأس والخيبة، فتعسرت معها؛ فزادت إلى هذه كلها ثورة كبريائها, فلم أتسهل؛ فانتهت من كل ذلك بعد الرغبة الخيالية التي هي أول العبث والدلال، إلى الرغبة الحقيقية التي هي أول الحب والهوى؛ رغبة تعذيبي بها لأنها متعذبة بي.
ثم ردَّتها الطبيعة صاغرة إلى حقائقها السلبية، فإذا الكبرياء فيها إنما كانت خضوعًا يتراءى بالعصيان وإذا الرغبة في تعذيب الرجل إنما كانت التماسًا لأن تنعم به، وإذا الإصرار على إخضاع الرجل وإذلاله إنما كان إصرارًا على تجرئته ودفعه أن يستبد ويملك؛ وردتها الطبيعة إلى هذه الحقيقة النسوية الصريحة التي بُنيت المرأة عليها, شاءت أم أبت، وهي أن تعاني وتصبر على ما تعاني!
أما أنا فأحببتها حبا عقليا، وكان هذا يشتد عليها؛ لأنه إشفاق لا حب؛ وكانت إذا سألتني عن أمر ترتاب فيه، قالت: أجبني بلسان الصدق لا بلسان الشفقة. وكانت تقول: إن في عينيها بكاء لا تستطيع أن تزيله مع الدمع, وسيقتلها هذا البكاء الذي لا يبكى، وقد اتخذت لها في دارها خلوة سمتها:"محراب الدمع!"قالت: لأنها تبكي فيها بكاء صلاة وحب، لا بكاء حب فقط!
ثم طاشت الطيشة الكبرى!
قلت: وما الطيشة الكبرى؟
قال: إنها كتبت إلي هذه الرسالة: