فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 1123

قال"سعيد":"نعم"وفسر"نعم"بأحسن تفسيرها وأبلغه؛ فقال: قم فادع لي نفرًا من الأنصار, فلما جاءوا حمد الله وصلى على النبي -صلى الله عليه وسلم- وزوجه على ثلاثة دراهم"خمسة عشر قرشًا".

ثلاثة دراهم مهر الزوجة التي أرسل يخطبها الخليفة العظيم لولي عهده بثقلها ذهبًا لو شاءت.

وغشَّى الفرح هذه المرة عيني الرجل وأذنيه، فإذا هو يسمع نشيد الملائكة يطن لحنه:"أنا، أنا، أنا".

ولم يشعر أنه على الأرض، فقام يطير، وليس يدري من فرحه ما يصنع، وكأنه في يوم جاءه من غير هذه الدنيا يتعرف إليها بهذا الصوت الذي لا يزال يطن في أذنيه:"أنا، أنا، أنا".

وصار إلى منزله وجعل يفكر: ممن يأخذ؟ ممن يستدين؟ فظهرت له الأرض خلاء من الإنسان، وليس فيها إلا الرجل الواحد الذي يضطرب صوته في أذنيه:"أنا، أنا، أنا".

وصلى المغرب وكان صائمًا، ثم قام فأسرج، فإذا سراجه الخافت الضئيل يسطع لعينيه سطوع القمر، وكأن في نوره وجه عروس تقول له:"أنا، أنا، أنا".

وقدم عشاءه ليُفطر، وكان خبزًا وزيتًا، فإذا الباب يقرع؛ قال: من هذا؟ قال الطارق: سعيد.

سعيد؟ سعيد؟ من سعيد؟! أهو أبو عثمان؛ أبو علي؛ أبو الحسن؟ فكر الرجل في كل من اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب؛ إلا الذي قال له:"أنا".

لم يخالجه أن يكون هو الطارق، فإن هذا الإمام لم يطرق باب أحد قط، ولم ير منذ أربعين سنة إلا بين داره والمسجد.

ثم خرج إليه، فإذا به سعيد بن المسيب، فلم تأخذه عينه حتى رجع القبر فهبط فجأة بظلامه وأمواته في قلب المسكين، وظن أن الشيخ قد بدا له، فندم، فجاءه للطلاق قبل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت