فقد اشترط الدين، على أن يكون مرضيًّا لا أي الدين كان؛ ثم اشترط الأمانة، وهي مظهر الدين كله بجميع حسناته, وأيسرها أن يكون الرجل للمرأة أمينًا، وعلى حقوقها أمينًا، وفي معاملتها أمينًا؛ فلا يبخسها ولا يُعْنتها، ولا يسيء إليها؛ لأن كل ذلك ثَلْم في أمانته؛ فإن ردت المرأة من هذه حاله وصفته من أجل المهر, تقدم إليها بالمهر من ليست هذه حاله وصفته، فوقعت الفتنة، وفسدت المرأة بالرجل، وفسد هو بها، وفسد النسل بهما جميعًا، وأهمل من لا يملك، وتعنست من لا تجد، ويرجع المهر الذي هو سبب الزواج سببًا في منعه، ويتقارب النساء والرجال على رغم المهر والدين والأمانة؛ فيقع معنى الزواج، ويبقى المعطل منه هو اللفظ والشرع.
هل علمت المرأة أنها لا تدخل بيت رجلها إلا لتجاهد فيه جهادها، وتبلو فيه بلاءها؟ وهل يقوم مال الدنيا بحقها فيما تعمل وما تجاهد، وهي أم الحياة ومنشئتها وحافظتها؟ فأين يكون موضع المال ومكان التفرقة في كثيره وقليله، والمال كله دون حقها؟
ولن يتفاوت الناس بالمال تختلف درجاتهم به، وتكون مراتبهم على مقداره، تكثر به مرة وتقل مرة, إلا إذا فسد الزمان، وبطلت قضية العقل، وتعطل موجب الشرع, وأصبحت السجايا تتحول, يملكها من يملك المال, ويخسرها من يخسره؛ فيكون الدين على النفوس كالدخيل المزاحم لموضعه، والمتدلي في غير حقه؛ وبهذا يرجع باطل الغني دِينًا يتعامل الناس معه، ودين الفقير بهرجًا لا يروج عند أحد؛ وليس هذا من ديننا، دين النفس والخلق، وإن ألف بعير يقنوها الرجل خالصة عليه، ثابتة له، لا تزيد في منزلة دينه قدر نملة ولا ما دونها. والحجران: الذهب والفضة, قد يكون شعاعهما في هذه الدنيا أضوأ من شمسها وقمرها، ولكنهما في نور النفس المؤمنة كحصاتين يأخذهما من تحت قدميه، ويذهب يزعم لك أنهما في قدر الشمس والقمر.
وهلاك الناس إنما يُقضى بمحاولتهم أن يكونوا أناسًا بعيوبهم وذنوبهم؛ فهذا هو الإنسان المدبر عن الله وعن نفسه وعن جنسه؛ لا يكون أبوه أبًا في عطفه، ولا أمه أمًّا في محبتها، ولا ابنه ابنًا في بره، ولا زوجته زوجة في وفائها؛ وإنما يكونون له مهالك، كما روينا عن رسول الله, صلى الله عليه وسلم:"يأتي على الناس زمان يكون"