فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 1123

قلت: ولكني لم أيأس يا أمير المؤمنين، وقد أردت أن أظهر امرأة فلم أفلح، وعملت أن أظهر شيطانة فانخذلت, وجهدت أن يرى طبيعتي فلم يرني إلا بغير طبيعة, وكلما حاولت أن أنزل به عن سكينته ووقاره رأيت في عينيه ما لا يتغير كنور النجم, وكانت بعض نظراته والله كأنها عصا المؤدب، وكأنه يرى في جمالي حقيقة من العبادة، ويرى في جسمي خرافة الصنم، فهو مقبل علي جميلة، ولكنه منصرف عني امرأة.

لم أيأس على كل ذلك يا أمير المؤمنين، فإن أول الحب يطلب آخره أبدًا إلى أن يموت. وكان يكثر من زيارتي، بل كانت إلي الغدوة والروحة، من حبه إياي وتعلقه بي؛ فواعدته يومًا أن يجيء مني وأرى الليل أهله لأغنيه:"ألا قل لهذا القلب..."وكنت لحنته ولم يسمعه بعد. ولبثت نهاري كله أستروح في الهواء رائحة هذا الرجل مما أتلهف عليه، وأتمثل ظلام الليل كالطريق الممتد إلى شيء مخبوء أعلل النفس به. وبلغت ما أقدر عليه في زينة نفسي وإصلاح شأني، وتشكلت في صنوف من الزهر، وقلت لأجملهن وهي الوردة التي وضعتها بين نهديَّ: يا أختي، اجذبي عينه إليك، حتى إذا وقف نظره عليكِ فانزلي به قليلًا أو اصعدي به قليلًا.

قال يزيد وهو كالمحموم: ثم ثم ثم؟

قلت: يا أمير المؤمنين، ثم جاء مع الليل، وإن المجلس لخالٍ ما فيه غيري وغيره، بما أكابد منه وما يعاني منه فغنيته أحر غناء وأشجاه، وكان العاشق فيه يطرب لصوتي، ثم يطرب الزاهد فيه من أنه استطاع أن يطرب، كما يطيش الطفل ساعة ينطلق من حبس المؤدب.

وما كان يسوءني إلا أنه يمارس في الزهد ممارسة، كأنما أنا صعوبة إنسانية فهو يريد أن يغلبها، وهو يجرب قوى نفسه وطبيعته عليها؛ أو كأنه يراني خيال امرأة في مرآة، لا امرأة مائلة له بهواها وشبابها وحسنها وفتنتها، أو أنا عنده كالحورية من حور الجنة في خيال من هي ثوابه، تكون معه، وإن بينها وبينه من البعد ما بين الدنيا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت