مفازة، وأصاب مَرْتَعًا فتوحش واستأسد، وتبين عليه أثر وحشيته، وأقبل قبال الجن من قوة ونشاط ويأس شديد؛ فلما طال انفراده وتأبده عرضت له في البر ناقة كانت قد ندت من عَطنها، وكانت فارهة جسيمة قد انتهت سمنًا، وغطاها الشحم واللحم، فرآها البازل الصئول، فهاج وصال وهدر، يخبط بيده ورجله، ويُسمَع لجوفه دَوِيّ من الغليان، وإذا هي قد ألقت نفسها بين يديه!
أما والله لو جعل الشيطان في يمينه رجلًا فحلًا قويًّا جميلًا، وفي شماله امرأة جميلة عاشقة تهواه؛ ثم تمطى متدافعًا ومد ذراعيه فابتعدا؛ ثم تراجع متداخلًا وضم ذراعيه فالتقيا؛ لكان هذا شأن ما بينك وبين القس!
قلت: لا والله يا أمير المؤمنين؛ ما كان صاحبي في الرجال خَلًّا ولا خمرًا، وما كان الفحل إلا الناقة! وما أحسب الشيطان يعرف هذا الرجل، وهل كان للشيطان عمل مع رجل يقول: إني أعرف دائمًا فكرتي وهي دائمًا فكرتي لا تتغير. ذاك رجل أساسه كما يقول: {بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] ولقد تصنعتُ له مرة يا أمير المؤمنين، وتشكلت وتحليت وتبرجت، وحدثت نفسي منه بكثير، وقلت: إنه رجل قد غبر شبابه في وجود فارغ من المرأة، ثم وجد المرأة فيَّ وحدي. وغنيته يا أمير المؤمنين غناء جوارحي كلها، وكنت له كأني خرير ناعم يترجرج ويُنشَر
أمامه ويطوى. وجلست كالنائمة في فراشها وقد خلا المجلس، وكنت من كل ذلك بين يديه كالفاكهة الناضجة الحلوة تقول لمن يراها:"كلني!".
قال يزيد: ويحك ويحك! وبعد هذا؟
قلت: بعد هذا يا أمير المؤمنين، وهو يهواني الهوى البَرْح، ويعشقني العشق المصني, لم ير في جمالي وفتنتي واستسلامي إلا أن الشيطان قد جاء يرشوه بالذهب الذي يتعامل به!
فضحك يزيد وقال: لا والله، لقد عرض الشيطان منك ذهبه ولؤلؤه وجواهره كلها، فكيف لعمري لم يفلح؛ وهو لو رشاني من هذا كله بدرهم لوجد أمير المؤمنين شاهد زور!