خلاصة: من خلال ما تقدم ندرك حقيقة علمية هامة من أن آثار الصحابة والتابعين جزء من السنة عند الإمام لا يمكن فهمها والتعامل معها بمعزل عن تلك الآثار والاستغناء باللغة والعقل والمقاصد العامة والتاريخ في الفهم والتعامل ، بل هي من السنة ، والدليل على ذلك كثرة ما يطلقه الإمام من مصطلح السنة على أقوال الصحابة والتابعين وعملهم وأقضيتهم وفتاويهم سواء ما تعلق منها بفهم النص النبوي ، أو ما ذُكر ابتداء في تقرير حكم شرعي . أما وجه كون الآثار تفسيرا للسنة النبوية عنده فرعاه من عدة وجوه كما في مر الأمثلة حاصلها بيان الإجمال الوارد في الأحاديث المرفوعة ، وبيان الترجيح المنضبط عند اختلاف الأحاديث والروايات في أبواب العلم والفقه ؛ وغرض الإمام من هذا منع الفهم الخاطئ للسنة النبوية و الاستدلال الشاذ بنصوصها ، منعا للشذوذ الفقهي الذي كان من أبعد الناس عنه كما هو مشهور عنه ، بالإضافة إلى البحث عن استمراية الحكم الذي دل عليه الحديث النبوي الشريف ، فما كان مستمرا معمولا به في عهد الصحابة والخلفاء ثم عن التابعين جيلا عن جيلا فهو السنة والهدي النبوي الشريف. وفائدته المنع من العمل غير المنضبط بالحديث النبوي ، وهدفه الرئيس المنع من وقوع العمل بخلاف هديه وسنته صلى الله عليه وسلم . لأن هذان أقصد فهم النصوص النبوية والاستدلال بها وإطلاق العمل بالنصوص الحديثية ، والاستقلالية بذلك هما مدخل الحوادث والبدع ، وملجأ أهل الأهواء في الاستدلال بالسنة النبوية إذا أعوزهم ردّها . وهذه غاية عظيمة اتفقت لمالك لم تتفق في أحد، ولا في مذهب من المذاهب غير مذهبه حيث اشتهر محققوه بالتأصيل للبدعة والكشف عن مآخذ أهل البدع في الاستدلال من هذا الأصل الذي وظفه مالك في تفسير السنة النبوية . فرحم الله الإمام رحمة واسعة على نباهته وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان أجمعين .
أ / فاطمة قاسم .