التشفع والتضرع إليه؛ كأنه قال: إن خذلتهم فمن الذي ينصرهم ويدفع ذلك عنهم دونك، وهم عبادك أذلاء؟! وإن أكرمتهم فمن الذي يمنعك عن إكرامهم؟!.
والثاني: إن تعذبهم فلك سلطان عليهم، ولست أنت في تعذيبك إياهم جائرا؛ لأنهم عبادك؛ لأن الجور هو المجاوزة عن الحد الذي له إلى الحد الذي ليس له.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ...(119)
قيل:"قال. . ."بمعنى:"يقول اللَّه يوم القيامة" (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) ، أي: اليوم ينفع الصادقين صدقهم في الدنيا، وينفع صدق الصادق -أيضًا- في الدنيا؛ لأنه إذا عرف بالصدق قُبِلَ قوله، وإن لم يظهر صدقه في قوله.
ثم اختلف في الصادقين من هم؟: قَالَ بَعْضُهُمْ: هم المؤمنون جملة، أي: يومئذ ينفع إيمان المؤمنين، وتوحيد الموحدين في الدنيا؛ كقوله - تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ) .
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الصادقون: هم الأنبياء، عليهم السلام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) .
قد ذكرناه فيما تقدم.
(خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) .
و"خالدين"و"أبدًا"واحد؛ لكنه يذكر على التأكيد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) .
لسعيهم في الدنيا.
(وَرَضُوا عَنْهُ) .
بالثواب لسعيهم.
ويحتمل: (وَرَضُوا عَنْهُ) بما وفقهم على سعيهم المحمود في الدنيا (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) . لأنه ليس بعده خوف الهلاك، ولا خوف الفوت؛ فهو الفوز العظيم، ليس كفوز الدنيا؛