قال قوم: شهيد البر أفضل، واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم: (أفضل الشهداء من عثر جواده وأهرق دمه) وقال آخرون: شهيد البحر أفضل والغزو في البحر أفضل، واحتجوا بحديث منقطع الإسناد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من لم يغزو معي فليغزو في البحر فإن غزوة في البحر أفضل من غزوتين في البر، وإن شهيد البحر له أجر شهيدي البر، وإن أفضل الشهداء عند الله يوم القيامة أصحاب الوكوف قالوا يا رسول الله وما أصحاب الوكوف؟ قال: قوم تكفأ بهم مراكبهم في سبيل الله) .
وعن عبد الله بن عمرو أيضًا أنه قال: (لأن أغزو في البحر غزوة أحب إلي من أن أنفق قنطارًا متقبلًا في سبيل الله) .
وإسناده ليس به بأس ذكره ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن يحيى بن ميمون عن أبي سالم الحنساني عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وذكر ابن وهب أيضًا عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن كعب الأحبار أنه قال: (أفضل الشهداء الغريق له أجر شهيدين وأنه يكتب له من الأجر من حين يركبه حتى يرسى كأجر رجل ضربت عنقه في سبيل الله فهو يتشحط في دمه) .
وجاء أيضًا في مصنف عبد الرزاق عن الثوري عن يحيى بن سعيد قال أخبرني مخبر عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو قال: (غزوة في البحر أفضل من عشر غزوات في البر، ومن أجاز البحر فكأنما جاز الأودية والمائد في السفينة كالمتشحط في دمه) . أ. هـ (أنتهى كلام ابن عبدالبر رحمه الله) [1]
ثم قال: ولأن الغازي في البحر أعظم خطرًا أو مشقة، فإنه بين خطر العدو وخطر الغرق، ولا يتمكن من الفرار إلا مع أصحابه، فكان أفضل من غيره [2] .
والناظر لهذه الأحاديث والآثار المروية عن بعض السلف، وإن كان بعضها ضعيف من ناحية الصفة الحديثية، إلا أنها تدل بمنطوقها ومفهومها على فضل غزاة البحر وشهدائه على غزاة البر، وماذاك إلا لخطورة ركوب البحر والمشقة العظيمة والأهوال حين ارتجاجه وتغير أحواله.
وقال صاحب العدة شرح العمدة: وغزو البحر أفضل من غزو البر لما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، ثم أورد حديث أم حرام، وحديث أبي داود عن أم حرام، وحديث ابن ماجه عن أبي أمامة وكلها قد مرت علينا.
(1) التمهيد، لابن عبد البر، ص79.
(2) العدة شرح العمدة في فقه إمام السنة، لبهاء الدين عبدالرحمن بن إبراهيم المقدسي، ص649، تحقيق عبدالرزاق المهدي.