وفي سنة تسع وأربعين هجرية وجه معاوية عقبة بن نافع الفهري في البحر لغزو الروم بأهل مصر [1] .
كان معاوية من الأبطال الصناديد ومن الدهاة المحنكين، ومن رجالات الفتوح الكبار وكان من ضباط ركن عمرو بن العاص في فتح مصر، ومن ضباط ركن عبد الله بن سعد بن أبي السرح في فتح إفريقية والنوبة، فلما تولى القيادة كان خبيرًا بالمغرب عارفًا لشئونه وطبيعة أرضه ونقاط الضعف في أهله، وخبرة معاوية هذه سهلت له فتح كثير من بلاد المغرب. لقد كان جنديًا بالطبع وكان من أسود المسلمين [2] .
سألت أم المؤمنين عائشة يومًا أحد رجال معاوية ممن غزا معه فأثنى عليه خيرًا وقال يا أمه خير أمير وقال: ما مرض منا أحد إلا عاده وإن هلك بعير أخلف بعيرًا، وإن هلك فرس أخلف فرسًا، وإن أبق خادم أخلف خادمًا وقالت: استغفر الله، اللهم اغفر لي إن كنت أبغضه، إنه قتل أخي، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به" [3] .
وهذا دليل على سهره على مصالح رجاله وحرصه على راحتهم وإرضائهم وإعطائهم ما يستحقون.
لقد كان معاوية شجاعًا مقدامًا ذا شخصية قوية نافذة له قابلية ممتازة على إعطاء القرارات الصائبة يتحمل المسئولية، ولا يتهرب منها، ذا إرادة قوية وثابتة، يعرف مبادئ الحرب ويطبقها، ويعرف نفسيات رجاله وقابليتهم، يثق برجاله ويثقون به ويبادلونه حبًا بحب وتقديرًا بتقدير، له تجربة طويلة في الحرب وماضٍ ناصع في الجهاد.
قضى حياته كلها مجاهدًا في سبيل الله في البر والبحر على حد سواء يذكر له التاريخ نشره الإسلام بين البربر ونشر لغة القرآن بينهم.
(1) البيان المغرب، لابن عذاري المراكشي، 1/ 13، 1/ 19.
(2) الولاة والقضاة للكندي ص21.
(3) مسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، 6/ 7، حديث (1828) ، وتاريخ دمشق لابن عساكر، 59/ 24.