وأما صلته بالبحر فقد بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ناسًا من الحبشة تراياهم [1] أهل"جدة" [2] فبعث في شهر ربيع الآخر السنة التاسعة الهجرية سرية مؤلفة من ثلاثمائة مجاهد بقيادة علقمة بن مجزز المدلجي وانتهى علقمة بمن معه إلى جزيرة في البحر وقد خاض إلى الحبشة البحر، فهربوا منه فرجع هو وأصحابه ولم يلق كيدًا وفي طريق عودة علقمة تعجل بعض القوم إلى أهليهم فأذن لهم فتعجل عبد الله بن حذافة السهمي فيهم فأمّره على من تعجل وكانت في عبد الله بن حذافة دعابة، فنزل ببعض الطريق وأوقد نارًا يصطلون عليها ويصطنعون الطعام وقال للقوم:"أليس لي عليكم السمع والطاعة"، قالوا بلى قال"فما أنا آمركم بشيء إلا فعلتموه"قالوا: نعم، قال: فإني أعزم عليكم بحقي وطاعتي إلا تواثبتم في هذه النار"فقام بعض القوم يحتجز حتى ظن أنهم واثبون فيها فقال لهم: اجلسوا فإنما كنت أضحك معكم"، وذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن قدموا عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أمركم منهم بمعصية فلا تطيعوه" [3] .
وشهد علقمة مع الصديق معركة اليرموك [4] بقيادة خالد بن الوليد سنة
13 هـ، وكان أبو بكر رضي الله عنه سمى لكل أمير من أمراء الشام كورة فسمى لأبي عبيدة بن الجراح حمص، وليزيد بن أبي سفيان دمشق، ولشرحبيل بن حسنة الأردن، ولعمرو بن العاص ولعلقمة بن مجزز فلسطين، فلما شارفوا الشام وهم مع كل أمير منهم جمع كثير، فخاضوا معركة اليرموك مجتمعين وانتصروا فيها على المشركين.
(1) تراياهم أي نظروهم ورأوهم، انظر شرح المواهب اللدنية 3/ 58.
(2) جده، المدينة المعروفة الآن على بعد 70 كيلو من مكة على ساحل البحر الأحمر.
(3) أخرجه أحمد 3/ 67، ابن ماجه (2863) ، ابن حبان (1552) ، والحاكم 3/ 630، وهو عند البخاري بألفاظ مقاربة، كتاب المغازي، باب سرية عبدالله بن خذافة، 5/ 161، حديث (4340) .
(4) الإصابة: 4/ 267.