والاكثار من الحج والعمرة عند السلف أمر معروف فمن كان كذلك فلا ينكر عليه ذلك؛ لأن الاصل أَنْ يجمع بين الطاعات كالتصدق والحج والعمرة. والجهاد بالأموال قُدِّمَ على جهاد الأنفس في عدة مواطن من كتاب الله. قَوْلُهُ: ( أفلا أعلمكم شَيْئًَا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ) ؛ فيه أَنَّ المتأخر قد يسبق المتقدم بالعمل لأن العبرة بمن صدق لا لمن سبق وإن كان للسبق فضل. قَوْلُهُ: ( ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم ) ؛ استنبط العز بن عبد السلام -في قواعده الكبرى- منها فائدة جليلة وهي أَنَّ المفاضلة بين الأعمال لا تكون دائما في تعدي الخير إلى الغير فمن قواعد العلماء في المفاضلة بين الأعمال أَنَّ العمل الذي يتعدى خيره للغير أفضل كفضل العلم على النوافل من العبادات. أما هنا فبقي الخير في ذات العمل ولم تعدى للغير . وقع في خاطري تشويش على ما ذكره العز حيث لم أر من نص عليه وهو: أَنَّ أصل فعل الخير سواء في الذات أو للغير إنما هو المراقبة فثمرة الذكر المراقبة فمن أكثر من الذكر وحافظ عليه ولا سيما دبر المكتوبات؛ فإن المراقبة تتعمق في نفسه ومن ثم ستظهر أثرها في كل ضروب الحياة ومنها التعدي للغير ؛ لقوله -تَعَالَى-: { ولذكر الله أكبر } فهو أكير الأعمال الصالحة أجرًا وثوابًا وكأنه الأصل ؛ لذا قال - صلى الله عليه وسلم -: « مثل الذي يذكر الله -تَعَالَى- و الذي لا يذكر الله كمثل الحي والميت » ، فالذاكر لله -تَعَالَى- قلبه حي يولد الطاعات الأخرى .