الصفحة 2 من 576

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين كلما ذكره الذاكرون وكلما غفل عن ذكره الغافلون ورضي الله عن الصحابة أجمعين وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم عليه وعليهم تسليما كثيرا وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

أما بعد فإن الله تعالى أكمل بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم دينه القويم وهدى به من شاء إلى الصراط المستقيم وأسس شرعه المطهر على أحسن الطرائق وأحكم القواعد وشيده بالتقوى والعدل وجلب المصالح ودرء المفاسد وأيده بالأدلة الموضحة للحق وأسبابه المرشدة إلى إيصال الحق لأربابه وحماه بالسياسة الجارية على سنن الحق وصوابه ولذلك قال سبحانه وتعالى وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته فالمراد بالكلمات القرآن العظيم الذي تمت دلائله وحججه وأوامره ونواهيه وأحكامه وبشارته ونذارته وأمثاله وقال تعالى اليوم أكملت لكم دينكم الآية

ولما كان علم القضاء من أجل العلوم قدرا وأعزها مكانا وأشرفها ذكرا لأنه مقام علي ومنصب نبوي به الدماء تعصم وتسفح والأبضاع تحرم وتنكح والأموال يثبت ملكها ويسلب والمعاملات يعلم ما يجوز منها ويحرم ويكره ويندب وكانت طرق العلم به خفية المسارب مخوفة العواقب والحجاج التي يفصل بها الأحكام مهامه يحار فيها القطا ويقصر فيها الخطا كان الاعتناء بتقرير أصوله وتحرير فصوله من أجل ما صرفت له العناية وحمدت عقباه في البداية والنهاية

وقال مالك بن أنس رحمه الله كان الرجال يقدمون إلى المدينة من البلاد ليسألوا عن علم القضاء وليس كغيره من العلوم ولم يكن بهذه البلدة أعلم بالقضاء من أبي بكر بن عبد الرحمن كان قاضيا لعمر بن عبد العزيز وكان قد أخذ شيئا من علم القضاء من أبان بن عثمان وأخذ ذلك أبان عن أبيه عثمان بن عفان رضي الله عنهما ودليل قول مالك أن علم القضاء ليس كغيره من العلوم قوله تعالى وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما فأثنى سبحانه وتعالى عن داود باجتهاده في الحكم وأثنى على سليمان باجتهاده وفهمه وجه الصواب

وروي عن الحسين رضي الله عنه في قوله تعالى وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب قال هو علم القضاء ولا غرابة في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت