أعيذكم من لوعتي وشجوني ... ونار جوى تذكى بماء شؤوني ...
وبرح أسى لم يبق فيّ بقيّة ... سوى حركات تارة وسكون ...
أرى القلب أضحى بعد طارقة الأسى ... أسير صبابات رهين شجون ...
وكيف سبيل القرب منكم ودونكم ... رمال زرود والأجارع دوني (1) ؟ ...
سلوا مضجعي هل قرّ من بعد بعدكم ... وهل عرفت طعم الرّقاد جفوني ...
سهرنا بنعمان، ونمتم ببابل، ... فيا لعيون ما وفت لعيون
وفي بعض الأحيان، أتسلّى بقول بعض الأندلسيين الأعيان: [الكامل]
لا تكترث بفراق أوطان الصّبا ... فعسى تنال بغيرهنّ سعودا ...
فالدّرّ ينظم عند فقد بحاره ... بجميل أجياد الحسان عقودا
وقول غيره: [الكامل]
فعسى الليالي أن تمنّ بنظمنا ... عقدا كما كنّا عليه وأكملا ...
فلربّما نثر الجمان تعمّدا ... ليعاد أحسن في النظام وأجملا
وأرغب لمن أطال ذيول الغربة أن يقلّصها، وأطلب ممّن أجال النفوس في سيول الكربة أن يخلّصها: [البسيط]
فنلتقي وعوادي الدهر غافلة ... عمّا نروم وعقد البين محلول ...
والدار آنسة، والشّمل مجتمع، ... والطّير صادحة، والروض مطلول (2)
وأضرع إليه ـ سبحانه! ـ في تيسير العود إلى أوطاني، ومعهدي الذي مطايا العزّ أوطاني (3) ، وأن يلحقني بذلك الأفق الذي خيره موفور، وحقّ من فيه معروف لا منكر ولا مكفور: [البسيط]
إذا ظفرت من الدنيا بقربهم ... فكلّ ذنب جناه الدّهر مغفور
وكأني بعاتب يقول: ما هذا التطويل؟ فأقول له: جوابي قول ابن أبي الإصبع الذي عليه التعويل: [البسيط]
(1) الأجارع: جمع أجرع، وهو المكان الذي فيه رمال وحصى دقيقة.
(2) الدار آنسة: أي فيها الأنس، وضدها الموحشة. ومطلول: نزل عليه الطلّ، وهو المطر الضعيف، أو الندى.
(3) أوطاني: أصله أوطأني، أي مهدها لي وذللها، فقلب الهمزة ألفا.