الصفحة 40 من 1671

أكثرت عذلي كأنّي كنت أول من ... بكى على مسكن أو حنّ للسّكن ...

لا تلح إنّ من الإيمان عند ذوي ال ... إيمان منّا حنين النّفس للوطن

على أنني أقول: اللهمّ يسّر لي ما فيه الخيرة لي بالمشارق أو بالمغارب، وجد لي من فضلك حيث حللت بجميع ما فيه رضاك من المآرب، بجاه نبيّنا وشفيعنا المبعوث رحمة للأحمر والأسود والأعاجم والأعارب، عليه أفضل صلاة وأزكى سلام، وعلى آله وأصحابه الأعلام، والتابعين لهم بإحسان ما ذرّ شارق، وتعاقب طالع وغارب.

ثم جدّ بنا السّير في البرّ أياما، ونأينا عن الأوطان التي أطنبنا في الحديث حبّا لها وهياما، وكنّا عن تفاعيل فضلها (1) نياما، إلى أن ركبنا البحر، وحللنا منه بين السّحر والنّحر (2) ، وشاهدنا من أهواله، وتنافي أحواله، ما لا يعبّر عنه، ولا يبلغ له كنه: [مخلع البسيط]

البحر صعب المرام جدّا ... لا جعلت حاجتي إليه ...

أليس ماء ونحن طين ... فما عسى صبرنا عليه

فكم استقبلنا (3) أمواجه بوجوه بواسر (4) ، وطارت إلينا من شراعه عقبان كواسر، قد أزعجتها أكفّ الرّيح من وكرها، كما نبّهت اللجج من سكرها، فلم تبق شيئا من قوّتها ومكرها، فسمعنا للجبال صفيرا، وللرياح دويّا عظيما وزفيرا، وتيقّنّا أنّا لا نجد من ذلك إلّا فضل الله مجيرا وخفيرا، (وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ) [الإسراء: 67] . وأيسنا من الحياه، لصوت تلك العواصف والمياه، فلا حيّا الله ذلك الهول المزعج ولا بيّاه، والموج يصفّق لسماع أصوات الرياح فيطرب بل ويضطرب، فكأنه من كأس الجنون يشرب أو شرب، فيبتعد ويقترب، وفرقه تلتطم وتصطفق، وتختلف ولا تكاد تتفق، فتخال الجوّ يأخذ بنواصيها (5) ، وتجذبها أيديه من قواصيها، حتى كاد سطح الأرض يكشف من خلالها، وعنان السّحب يخطف في استقلالها، وقد أشرفت النفوس على التّلف من خوفها واعتلالها، وآذنت الأحوال بعد انتظامها باختلالها، وساءت الظنون، وتراءت في صورها المنون، والشّراع في قراع مع جيوش الأمواج، التي أمدّت منها الأفواج بالأفواج، ونحن قعود، كدود على عود، ما بين فرادى وأزواج، وقد نبت (6) بنا من القلق أمكنتنا، وخرست من الفرق (7) ألسنتنا، وتوهّمنا

(1) في ب: وصلها.

(2) السّحر: الرئة.

(3) في ب: استقبلتنا.

(4) وجوه بواسر: عابسة مقطبة.

(5) القواصي: جمع قاصية، وهي البعيدة.

(6) نبت: أي بعدت.

(7) الفرق: الخوف والفزع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت