فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 247

التمكين في الأرض، والدعوة إلى بيان المنكر وإنكاره، ومحاربة الشرور والآثام، وكل ما يبعث على الفساد في الأرض.

والمتأمل في تلك الأمور: يجد أنها تبين وتوضح مدلول الدعوة وحقيقتها، ويفهم منها أن أصل الدعوة، ومرتكزها هو: توحيد الله تعالى بالعبادة، وما يستلزم ذلك من الإيمان ببقية الأركان.

ويبدو أن الدعوة لم يصغ لها تعريف عند المتقدمين، فبالنظر فيما وقع بين يدي من بعض كتب العلماء المتقدمين لم أجد تعريفًا للدعوة بالاصطلاحات المعرفية والحدود المنطقية المعروفة عند المعاصرين؛ ذلك أن المتقدمين عايشوا الدعوة في كل شؤون حياتهم، حتى أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياتهم إلى درجة أنها أصبحت عندهم معروفة غنية عن التعريف، ومع ذلك - ولا شك - فهُم"أوفى علمًا، وأفقه بالمراد، وأبعد عن التكلف" [1]

من المعاصرين.

أما المعاصرون منهم - فعلى سعة اطلاعهم، وعلمهم - درجوا في تعريف الدعوة مدارج مختلفة - من غير كبير تباين -، فمنهم من درج على التعاريف المقيدة بالحد الاصطلاحي؛ جريًا على العرف؛ وليكون أدعى للفهم والإدراك، وفقه المراد؛ نظرًا لعجز الكثير من القراء عن الإدراك التام للغة العربية، والإلمام بسائر مدلولاتها، واستعمالاتها، ومنهم من حررها من الحد الاصطلاحي، فأدخل أهدافها وغاياتها في تعريفها [2] ؛ توخيًا لسعة مدلولها [3] ، ومنهم من قصر تعريفها على بعض جوانبها [4] .

لذلك اختلفت تعاريف الدعوة عند العلماء والباحثين - لا سيما المعاصرين منهم - فمن نظر إلى سعة مدلول الدعوة وشمولها مناحي الحياة: جعل تعريفها عامًا غير مقيد بحد اصطلاحي [5] ، ولعل هذا الاتجاه هو الأصوب.

وعلى هذا نهج بعض العلماء المتقدمين ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -، فله تعاريف عدة للدعوة، تشمل كلها عموم الدعوة إلى الله، وما يحقق كلمة التوحيد التي من أجلها أُرسل الرسل، وخُلق الثقلان، مع ملازمتها لشهادة أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما تتضمنه وتقتضيه هذه الشهادة، والعمل بكل مستلزمات الشهادتين من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، والحث على الاتباع والاقتداء، ومجانبة البدع وأهلها [6] ، والجمع بين العبادة والاستعانة [7] .

والمقصود بالدعوة عند شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -"وصول العباد إلى ما خلقوا له من عبادة ربهم وحده لا شريك له" [8] .

ولعلي أستعرض أبرز تعاريفه - رحمه الله - استعراضًا متأنيًا، ومن ثم أستعرض تعاريف غيره من العلماء المعاصرين، ثم أبين ما يترجح عندي منها بحول الله:

يعرف ابن تيمية - رحمه الله - الدعوة إلى الله بأنها:"هي الدعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله؛ بتصديقهم فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا وذلك يتضمن الدعوة إلى الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والدعوة إلى الإيمان بالله، وملائكته وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، والدعوة إلى أن يعبد العبد ربه كأنه يراه" [9] .

ويعرِّف الدعوة أيضًا:"بأنها الدعوة إلى الدين" [10] ، وعرَّف الدين بأنّه: دين الله الذي بعث به رسله، وهو ما يجب على المرء التصديق به، والعمل به [11] .

والدعوة إلى الدين عنده: تشمل الدعوة إلى مراتبه الثلاث، الإسلام وأركانه، والإيمان وأركانه، والإحسان؛ لدخولها في معنى الدين من حديث جبريل عليه السلام، الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم:"هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم" [12] .

كما أن الدعوة عند ابن تيمية - رحمه الله - تتضمن الأمر الذي يدخل فيه: الأمر بكل معروف، والنهي الذي يدخل فيه: النهي عن كل منكر [13] .

وخلاصة ما سبق من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - ما يلي:

(1) سورة المائدة، الآية 99.

(2) الأنشطة الدعوية في المملكة العربية السعودية، ص 31.

(3) مدخل إلى علم الدعوة، ص 13، 14.

(4) الأنشطة الدعوية في المملكة العربية السعودية، ص 31.

(5) الحد الاصطلاحي هو: التعريف الذي اصطلح عليه أكثر الدارسين على اختلاف تخصصاتهم، بحيث يصير جامعًا مانعًا، جامعًا لخصائص المعرَّف، مانعًا لدخول غيره معه. ينظر: مفهوم الإعلام الإسلامي، وصلته بالدعوة - محمد بن عبد الرحمن بن حماد العمر، بحث مكمل للماجستير- ص 8.

(6) ينظر في هذه المعاني: مجموع الفتاوى 15/ 157، 158؛ والحسبة في الإسلام - لابن تيمية أيضًا - ص 27؛ وفتح المجيد: ص 11 - 17.

(7) كتاب التوحيد مع إخلاص العمل والوجه لله تعالى- لابن تيمية - ص 135.

(8) مجموع الفتاوى 2/ 6.

(9) سورة المائدة، الآية 99.

(10) سورة المائدة، الآية 99.

(11) الحسبة في الإسلام - أو وظيفة الحكومة الإسلامية - ص 83؛ وينظر مدخل إلى علم الدعوة ص 13.

(12) سورة المائدة، الآية 99.

(13) ينظر: مجموع الفتاوى 15/ 165.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت