فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 247

ما قاله - رحمه الله - قبل سفره إلى مكة:"إني مسافر إلى مكة لا للتسلط عليها، بل لرفع المظالم عنها."

إني مسافر إلى مهبط الوحي لبسط أحكام الشريعة، ولن يكون في مكة بعد الآن سلطان لغير الشرع" [1] ."

ويؤكد جلالة الملك عبد العزيز - رحمه الله - في غير ما موضع من لقاءاته على أن الحكم لله تعالى، وما بينه رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك قوله:"أريد رجالًا يعملون ... أريدهم أن يعملوا بما فيه المصلحة، واعلموا أن لا سلطان عليهم سوى سلطان الله وما أنزل من وحي وشريعة" [2] ، كما جاء في كلمته التي ألقاها في الجلسة الافتتاحية لمجلس الشورى في 7/ 3/1349 هـ:"أساس حكمنا ونظمنا هو الشرع الإسلامي، وأنتم في تلك الدائرة أحرار في سن كل نظام، على شرط أن لا يكون مخالفًا للشريعة الإسلامية؛ لأن العمل الذي يخالف الشرع لن يكون مفيدًا لأحد، والضرر كل الضرر هو السير على غير الأساس الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم" [3] ، كما يقول - رحمه الله:"أشاع الترك الشيء الكثير عن عقائدنا وشنعوا عليها من قبل، وكذلك فعل من جاء بعدهم، وبلغني في جملة ما كذبوه عنا أننا لا نصلي على محمد، وأننا نعد الصلاة عليه شركًا بالله. نعوذ بالله من ذلك! أو ليست الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم ركنًا من أركان الصلاة وأنها لا تتم بغيرها؟ ... ويقولون إننا ننكر شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، معاذ الله أن نقول هذا! وإنما نطلب من الله أن يشفع فينا نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم، ونقول: اللهم شفع فينا نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم: {مَن ذَا الَّذِي يَشفَعُ عِنَدَهُ إِلاَّ بِإِذِنِهِ} [4] "

؟ ... . وأما محبة الأولياء والصالحين فمن ذا الذي يبغضهم منا، ولكن محبتهم الحقيقة هي العمل بما عملوا به، وإتباع سننهم في التقوى، ومن هم أولئك الأولياء؟ هم الذين قال الله فيهم: {الَّذِينَ إِن مَكَنَّاهُم فِي الأَرضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ، وآَتَوُا الزَّكَاةَ، وَأَمَرُوا بِالمعَرُوفِ وَنَهَوا عَنِ المُنكَرِ} [5] ، فهؤلاء هم الذين نحبهم ونقتفي آثارهم، ولكننا لا نرفعهم فوق المرتبة التي يريدونها لأنفسهم ولا يريدها الله لهم، هذا الذي نحن عليه، وهذا الذي ندين الله به، فإن كان عندكم ما ينقضه في كتاب أو سنة فأتونا به لنرجع عنه ... إننا لم نطع ابن عبد الوهاب ولا غيره إلا بما أيدوه بقول من كتاب الله أو سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، أما أحكامنا فنسير عليها طبق ما اجتهد فيه الإمام أحمد بن حنبل" [6] ."

وتجدر الإشارة هنا إلى بيان موقف صريح ومؤثر يدل على قبول الحق من مؤسس الجزيرة وحاكمها الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه -، فقد حصلت بينه وبين أحد المواطنين من أهل الرياض خصومة في أرض أو مزرعة كل يدعيها له، وقد طلب الملك من خصمه بأن يتنازل عنها؛ لكونه يرى تبعيتها للأسرة الحاكمة، والخصم يراها من أملاك أسرته، حتى طلب منه الملك بأن يتنازل عنها مقابل ما يريد من المال بغض النظر عمن هي له، فأبي إلا حكم الشرع في هذه القضية، فأجاب الملك بطاعته للشرع، حتى لو حكم عليه بقصوره التي يسكنها، وعند ذلك أرسل الملك لقاضي الرياض آنذاك [7] يشعره بالقضية ويرجوه الحكم الشرعي فيها، فأرسل إليه الشيخ بأن لابد من حضوركم مع الخصم، أو توكيل من ترون فيه الكفاءة ليقوم بالدعوى عنكم، فوكل الملك من يقوم عنه بالقضية [8] ؛ لكثرة مشاغله، وكان بين الوكيل والقاضي صداقة ومجالسة وهكذا كان شأن العلماء يلتقي بعضهم بعضًا، فانقطع القاضي عن زيارة جليسه هذا حين وكله الملك فجاء الوكيل لزيارة القاضي وهو لا يعلم من أمر الوكالة شيئا، فخرج عليه القاضي وهو يبتسم، ويقول له أما علمت بأن الملك عبد العزيز قد وكلك عن خصمه في قضية؟، لذا لا أحب أن يراك الخصم عندي فيدخل في قلبه شيء من الريبة والشك، وانصرف الوكيل راضي النفس من هذه المقابلة، المؤقتة حتى صدور الحكم.

بالفعل تمت مقابلة الوكيل والخصم عند القاضي وبعد سماع الدعوى والإجابة والنظر في الشهود والوثائق ظهر للقاضي أن الأرض المتنازع عليها للخصم، وليست للملك، أو للأسرة الحاكمة، فأصدر حكمه ضد جلالة الملك عبد العزيز ووكليه، وحينما بلغ الخبر الملك: استعبر باكيًا وهو يقول: الحمد لله الذي جعل عندنا من القضاة من لم تأخذه في الحق لومة لائم، ثم استطرد قائلًا: إننا بخير مادام هؤلاء العلماء موجودون [9] .

هكذا تكون سيرة أهل العدل والإنصاف والانصياع للحق والشرع الذي ينادي به الحاكم، ويقبله على نفسه، وغير هذا من المواقف والطرائف ذات العبر كثير [10] .

(1) سورة المائدة، الآية 99.

(2) سورة المائدة، الآية 99.

(3) سورة المائدة، الآية 99.

(4) سورة المائدة، الآية 99.

(5) سورة المائدة، الآية 99.

(6) سورة المائدة، الآية 99.

(7) هو: الشيخ سعد بن حمد بن عتيق، ينظر: من حياة الملك عبد العزيز، ص 251.

(8) هو: الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، ينظر: المرجع السابق، ص 251.

(9) ينظر: المرجع السابق، ص 250 - 251.

(10) ينظر على سبيل المثال: صور من حياة عبد العزيز ... .، ص 59 - 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت