"أيها الإخوان تعلمون عظيم المنة التي من الله بها علينا بدين الإسلام، إذ جمعنا بعد الفرقة، وأعزنا بعد الذلة، واذكروا قوله تعالى: {وَقَلِ اعَمَلَوا فَسَيَرىَ اللهُ عَمَلكُم وَرَسُولُهُ وَالمُؤمِنُونَ} [1] ، إن شفقتي عليكم وعلى ما من الله به علينا، وخوفي من تحذيره سبحانه وتعالى بقوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يُغِيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفْسِهِم} [2] ، ... كل هذا دعاني لأجمعكم في هذا المكان لتذكروا:"
أولًا: ما أنعم الله به علينا فنرى ما يجب عمله لشكران هذه النعمة.
وثانيًا: لأمر بدا في نفسي، وهو: أنني خشيت أن يكون في صدر أحد شيء يشكوه مني، أو من أحد نوابي وأمرائي بإساءة كانت عليه، أو بمنعه حقًا من حقوقه، فأردت أن أعرف ذلك منكم؛ لأخرج أمام الله بمعذرة من ذلك، وأكون قد أديت ما علي من واجب.
وثالثًا: لأسألكم عما في ٍخواطركم وما لديكم من الآراء مما ترونه يصلحكم في أمر دينكم ودنياكم ... .. أيها الإخوان: إن القوة لله جميعًا ... . إنني لم أجمعكم خوفًا أو رهبًا من أحد منكم وإنما جمعتكم خوفًا من ربي ومخافة من نفسي أن يصيبها زهو أو استكبار ... .. أريد أن تنظروا أولا فيمن يتولى أمركم غيري ... .. لا يحملني على هذا إلا أمران، الأول محبة راحتي في ديني ودنياي، والثاني: أني أعوذ بالله من أن أتولى قومًا وهم لي كارهون ... . إياكم أيها العلماء أن تكتموا شيئا من الحق، تبتغون بذلك مرضاة وجهي، فمن كتم أمرًا يعتقد أنه يخالف الشرع فعليه من الله اللعنة ... . أظهروا الحق وبينوه وتكلموا بما عندكم" [3] ."
وصيته لابنه سعود - ولي العهد - بقوله:"تفهم أننا نحن والناس جميعًا، ما نعز أحدًا، ولا نذل أحدًا، وإنما المعز والمذل هو الله سبحانه وتعالى، ومن التجأ إليه نجا، ومن اغتر بغيره (عياذًا بالله) وقع وهلك."
موقفك اليوم غير موقفك بالأمس، ينبغي أن تعقد نيتك على ثلاثة أمور:
أولًا: نية صالحة وعزم على أن تكون حياتك وأن يكون ديدنك: إعلاء كلمة التوحيد، ونصر دين الله، وينبغي أن تتخذ لنفسك أوقاتًا خاصة لعبادة الله والتضرع بين يديه في أوقات فراغك، تعبد إلى الله في الرخاء تجده في الشدة، وعليك بالحرص على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن يكون ذلك كله على برهان وبصيرة في الأمر، وصدق في العزيمة، ولا يصلح مع الله سبحانه وتعالى إلا الصدق، وإلا العمل الخفي الذي بين المرء وربه.
ثانيًا: عليك أن تجد وتجتهد في النظر في شؤون الذين سيوليك الله أمرهم بالنصح سرًا وعلانية، والعدل في المحب والمبغض، وتحكيم الشريعة في الدقيق والجليل والقيام بخدمتها باطنًا وظاهرًا. ينبغي أن لا تأخذك في الله لومة لائم.
ثالثًا: عليك أن تنظر في أمر المسلمين عامة، ... . أوصيك بعلماء المسلمين خيرًا، احرص على توقيرهم ومجالستهم، وأخذ نصيحتهم، واحرص على تعليم العلم، لأن الناس ليسوا بشيء إلا بالله ثم بالعلم، ومعرفة هذه العقيدة احفظ الله يحفظك" [4] ."
أراد الملك فيصل بن الحسين تأكيد أمر، فقال:"وحياة رأسك"فنظر إليه الملك عبد العزيز - رحمه الله - وقال:"قل والله" [5] .
دخل شاعر من أهل نجد على الملك عبد العزيز، أثناء زيارته لبلدة الخرج في 7/ 12/1363 هـ، وفي يده قصيدة استأذنه في إلقائها، وكان مطلعها:
"أنت آمالنا وفيك الرجاء ... ."
فصاح الملك تخسًا، ولمح في المجلس الشيخ حمد الجاسر، فقال خذه علمه التوحيد يابن جاسر" [6] ."
وإن من أصدق اللحظات في حياة الإنسان تلك اللحظات التي لا يغالط فيها نفسه، وأجلاها: حينما يكون بين يدي الله يناجيه ويدعوه، فيكون في أصفى مقام وأصدقه.
ومن ذلك دعاء الملك عبد العزيز - يرحمه الله - وهو متمسك بأستار الكعبة آخر الليل عند صلاة الفجر بقوله:"اللهم إن كان في هذا الملك خير لي وللمسلمين، فأبقه لي ولأولادي، وإن كان فيه شر لي وللمسلمين، فانزعه مني ومن أولادي!" [7] .
ودعاؤه أول ما حكم:"اللهم إن كان قصدي إعلاء كلمة الله ونصرة الإسلام فأرجو منك التوفيق والتأييد والنصر، وإن كان قصدي"
خلاف ذلك فأرجو منك أن تريحني بالموت العاجل" [8] ."
وهذا الدعاء من أصدق الدلالات على صدقه في دعوته لمناصرة المسلمين، ولم شعثهم، تمسكًا منه بالعقيدة الصحيحة في إصلاح مجتمعه.
المبحث الثاني: اهتمام المملكة العربية السعودية
بتطبيق الشريعة
(1) سورة المائدة، الآية 99.
(2) سورة المائدة، الآية 99.
(3) الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز، ص 112 - 115.
(4) سورة المائدة، الآية 99.
(5) سورة المائدة، الآية 99.
(6) سورة المائدة، الآية 99.
(7) سورة المائدة، الآية 99.
(8) سورة المائدة، الآية 99.