سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [1] ، وقال جل وعلا: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ... } [2] ، وقال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ... } [3] ، ويمكن استنباط أصول أو ركائز أساليب الدعوة مما تقدم من الآيات على أنها (الحكمة - الموعظة الحسنة - القدوة الحسنة - الجدال بالتي هي أحسن) .
ويستفاد من استقراء الأساليب الدعوية الكثيرة، أنها في مجملها تدور حول أصول الأساليب الأربعة السالفة، وعلى سبيل المثال لا الحصر: نرى أسلوب اللين، والشدة في موضعهما: يمكن عدهما ضمن أسلوب الحكمة، ونجد أن قوله صلى الله عليه وسلم:"ما بال أقوام ..." [4]
أسلوب تلميح يشترك مع أسلوبي الحكمة، والموعظة الحسنة، كما يدخل أسلوب الحوار العقلي في قصة إبراهيم الخليل مع النمروذ، ومع قومه ضمن أسلوب الجدل بالتي هي أحسن، وهكذا.
الوسيلة: جمع وسائل ووُسُل، ومعنى وَسَل: رغب وتقرب [5] ، ومنه قول الحق تبارك وتعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ... } [6] .
فالوسيلة على هذا تكون أداة يتقرب بها إلى نيل المقصود، وتحقيقه.
فالسيارة مثلا وسيلة للوصول إلى المكان المقصود، والمكان المقصود هو الغاية.
وكذلك فموضوع الدعوة يقوم به داع ليوصل المدعو إلى المكان المقصود، الذي هو غاية الدعوة، والداعي يحتاج إلى عدَّةٍ لدعوته، ومنها: إخلاص العمل لله جل شأنه، وموافقة المشروع - أي: صواب العمل، وصفات الداعية الأخرى، وأساليبه من عدته، لكن كيف يصل بدعوته إلى المدعو؟ فالجواب عن كيف؟ هو الوسيلة التي بها يستطيع إيصال الدعوة.
فالوسائل منها ما هو مأمور به، ومنها ما هو منهي عنه، قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [7] لا، وقال عز من قائل: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَه ... } [8] .
فكانت وسيلة القرب من الله: تقواه كما شرع، ودعاؤه، وطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم والتزام شرعه وسنته، والجهاد بأنواعه في سبيل الله، والصدق، ومحامد الأخلاق كلها والدعوة إليه جل شأنه، بما شرع.
وكان من الوسائل الممنوعة والمحرمة المنهي عنها: الشرك، والرياء، والنفاق، والسمعة، والكذب، ومساوئ الأخلاق كلها.
قال تعالى في التحذير من الوسائل الممنوعة: { ... وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ... } [9] .
ووسائل الدعوة على شقين، هما:
-وسائل تعنى بتربية الداعي وتأهيله.
-ووسائل تتعلق بصيغة إيصال الدعوة للمدعوين.
فمن الوسائل المتعلقة بذات الداعي: تأهيله بالعلم الشرعي الصحيح، وحثّه على الاتصاف بجميع الأخلاق المحمودة: كالصدق، والأمانة، والوفاء بالوعد، والصبر على المصائب، وعلى فعل الطاعات، واجتناب المعاصي وغيرها [10] .
وهي تعني بالجانب التطبيقي وطريقة مباشرة الداعي للدعوة عمليًا.
فهذه من أهم الوسائل التي تعين الداعي في دعوته، وتيسر له قبولها بين المدعوين.
قال عز وجل: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [11] .
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [12] .
وقال تعالى: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} [13] ، وقال عز وجل عن الأمانة: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [14] ، وقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى
(1) سورة المائدة، الآية 99.
(2) سورة المائدة، الآية 99.
(3) سورة المائدة، الآية 99.
(4) سورة المائدة، الآية 99.
(5) ينظر: المعجم الوسيط 2/ 1044، (وسل- يسل، الوسيلة) .
(6) سورة المائدة، الآية 99.
(7) سورة المائدة، الآية 99.
(8) سورة المائدة، الآية 99.
(9) سورة المائدة، الآية 99.
(10) ينظر: عدة الصابرين لابن القيم، ص 64.
(11) سورة المائدة، الآية 99.
(12) سورة المائدة، الآية 99.
(13) سورة المائدة، الآية 99.
(14) سورة المائدة، الآية 99.