سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [1] ، وغير ذلك من الآيات.
ومن الأحاديث الكثيرة، قوله صلى الله عليه وسلم:"إن الصدق يهدي إلى البر" [2]
، وفيما رواه ابن عباس - رضي الله عنهما - أن أبا سفيان أخبره، أن هرقل قال له:"سألتك ماذا يأمركم فزعمت أنه أمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة قال وهذه صفة نبي" [3] ، وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قصير مثله [4] ، وقال حذيفة رضي الله عنه:"حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين رأيت أحدهما وأنا أتنظر الآخر حدَّثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ..." [5] ، وغير ذلك من الأحاديث.
ومن الوسائل المتعلقة بطريقة مباشرة الداعية للدعوة عمليًا: التربية، والأنشطة العامة، والخطابة، وما يندرج تحتها: كالمحاضرة، والندوة، والدرس [6] ، والدعوة من خلال الانترنت وغيرها مما هو محسوس مشاهد.
ولعل هذا الاستعراض يبين الفرق بين الوسيلة، والأسلوب بجلاء، والله تعالى أعلم.
المبحث الرابع: فضل الدعوة
إن من أفضل القربات إلى الله عز وجل: تقرب العبد إليه بما فرضه تعالى عليه، وكل الفرائض بيَّنها الداعية الأول صلى الله عليه وسلم، فبالدعوة تتبين الفرائض، والوجبات، والمستحبات، ومما يؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تعالى في الحديث القدسي:"وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضت عليه" [7] .
والدعوة مفتاح كل خير يقرب من الله تعالى، لذلك لم يأل الأنبياء والمرسلون جهدًا في القيام بها، فمن نظر سيرهم، وقصصهم في القرآن الكريم، وجد تضافر جهودهم على الدعوة، والبيان، والبلاغ عن الله تعالى في كل ما من شأنه إخراج الناس من الظلمات إلى النور، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [8] ، والسعيد من أجاب الداعي في دعوته، واستنار بنور الله له، وأنار الطريق لغيره.
ولا يقتصر فضل الدعوة إلى الله تعالى، وخيرها على المدعو فقط بل ينال الداعي منه خيرًا كثيرًا، أَوّلُه: أنه أجاب الله فيما أمره به من الدعوة؛ فاستحق ثوابه، وآخره أن كل أعمال المدعو من هداية، ورشد، وطاعة: صداقة جارية للداعي، يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا" [9] .
وقال صلى الله عليه وسلم:"إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" [10] .
ومما يدل على فضل الدعوة إلى الله تعالى: مدحه القائمين عليها، بقوله عز وجل: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [11] ، ولا يمدح المرء إلا على فضل.
-أنها مهمة الرسل ومن سار على دربهم.
ولعل ذلك بارز لمن قرأ دعوات الرسل في القرآن الكريم، فما يكاد نبي يرد ذكره في القرآن الكريم يخلو من ذكر دعوته قومه إلى عبادة الله تعالى وتقواه، وهي رأس كل معروف.
-أنها من أبرز صفات المؤمنين، قال الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر} [12] ، وقال عز وجل: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [13] .
-أن ترك الدعوة: من صفات المنافقين: قال جل شأنه: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوف} [14] .
(1) سورة المائدة، الآية 99.
(2) سورة المائدة، الآية 99.
(3) سورة المائدة، الآية 99.
(4) متفق عليه، ينظر: صحيح البخاري 3/ 1074، وينظر: صحيح مسلم 3/ 1397.
(5) سورة المائدة، الآية 99.
(6) ينظر في ذلك: أهمية الدعوة إلى الله وأثر العقيدة الصحيحة في نجاحها، ص 77 - 86.، د. غازي بن غزاي المطيري -رسالة دكتوراه- الجامعة الإسلامية، كلية الدعوة وأصول الدين.
(7) سورة المائدة، الآية 99.
(8) سورة المائدة، الآية 99.
(9) سورة المائدة، الآية 99.
(10) سورة المائدة، الآية 99.
(11) سورة المائدة، الآية 99.
(12) سورة المائدة، الآية 99.
(13) سورة المائدة، الآية 99.
(14) سورة المائدة، الآية 99.