قال الفضيل بن عياض - رحمه الله تعالى:"أخلصه وأصوبه"، وبين هذه الجملة بقوله:"إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا، ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله وحده، والصواب أن يكون على السنة" [1] .
كما لا يتم تثبيت العقيدة، وتصحيحها إلا بدوام التذكير بما شملته الدعوة من الإسلام وأركانه، والإيمان واركانه، والإحسان؛ لما لطول العهد من أثر في نسيان شيء منها، أو طروء شبهات، وأهواء في نفس المدعو.
وقد عني رسول الله صلى الله عليه وسلم بتثبيت العقيدة بعد تقريرها كما عني بتصحيحها.
ومن ذلك:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهية السآمة علينا" [2] ، ومعلوم أن القلوب إذا كلت عميت، وجوابه حين سئل:"هل نرى ربنا" [3] .
وجوابه عن سؤال الصحابة:"فيم يعمل العاملون؟ قال كل ميسر لما خلق له" [4] .
وكما أن مواقفه صلى الله عليه وسلم من إبطال العقائد الفاسدة في النفوس، ومما علق بها من شوائب الشرك وأوضاره، كثيرة، لا تحصى عددًا، ومن ذلك:
نفى الشريك، والند، والمثيل، والصاحبة، والولد عن الله عز وجل قال تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [5] ، وقال تعالى: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [6] ، وقال جل شأنه: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا} [7] ، كما نفى تعدد الآلهة سواء بسواء فليس ثمة إله للخير، وآخر للشر؛ إذ ينتج من تعدد الآلهة الفساد كل الفساد، قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [8] .
ومنها ردّ النبي صلى الله عليه وسلم على من حاول التشكيك [9] في البعث بعد الموت، بتفتيت عظم بال، قائلًا: أيحيى الله هذا بعد ما أرم؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"نعم يبعث الله هذا ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جنهم" [10] ، وإلى هذا يشير قوله جل جلاله: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [11] ، وقوله جل شأنه: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [12] .
فإذا ثبتت العقيدة الصحيحة في نفوس المدعوين عامتهم: فإنها حينئذ تقر بالعبث بعد الموت، فلا تصاب بأدنى شك؛ فتعمل لذلك اليوم، وتعد له العدة، وتنضبط أيما انضباط.
3 -المحور المنهجي، ويشمل جانبي: الأساليب والوسائل.
لمنهج الدعوة: أصول، وركائز، ووسائل، وأساليب، وطرق، وأنواع مخاطبات، وأهداف، ومضامين يطول شرحها [13] إلا أنني سأذكر جانبًا مما يشمله المحور المنهجي ويتمثل هذا الجانب في الأساليب والوسائل.
تعريف الأساليب:
جمع أسلوب، والأسلوب لغة:"الطريق، يقال سلكت أسلوب فلان في كذا: طريقه ومذهبه، وطريقة الكاتب في كتابته" [14] ، وعلى هذا فيكون أسلوب الرجل في كلامه: طريقته في كلامه.
ويستنبط من المعنى اللغوي: المعنى الاصطلاحي فيكون معناه:
طريقة الداعي في دعوته، وطريقة تطبيقه لمناهج الدعوة.
والأساليب الدعوية قد بينها القرآن ما بين تصريح بها، وإشارة عنها، قال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ
(1) ينظر: مجموع الفتاوى 1/ 311، 189، 333. بتصرف.
(2) سورة المائدة، الآية 99.
(3) سورة المائدة، الآية 99.
(4) سورة المائدة، الآية 99.
(5) سورة المائدة، الآية 99.
(6) سورة المائدة، الآية 99.
(7) سورة المائدة، الآية 99.
(8) سورة المائدة، الآية 99.
(9) هو: العاص بن وائل. ينظر: المصادر التالية: المستدرك على الصحيحين 3/ 466؛ وينظر: بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث 2/ 727؛ وينظر: تفسير ابن كثير 3/ 558، 559؛ وينظر: تفسير الطبري 23/ 31، ط: المكتبة الأليفة للسنة النبوية.
(10) سورة المائدة، الآية 99.
(11) سورة المائدة، الآية 99.
(12) سورة المائدة، الآية 99.
(13) من أراد التوسع فلينظر كتاب: الأصول العلمية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ص 189 - 506، د. عبد الرحيم المغذوي.
(14) ينظر: المعجم الوسيط 1/ 443، مادة: (سلب، الأسلوب) .