3 -وقوله صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" [1] .
قال ابن حزم - رحمه الله:"والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على كل مسلم، إن قدر بيده فبيده، وإن لم يقدر بيده فبلسانه، وإن لم يقدر بلسانه فبقلبه، ولابد، ومن خاف القتل، أو الضرب، أو ذهاب المال، فهو عذر يبيح له أن يغيِّر بقلبه فقط ..." [2]
الترجيح:
بالنظر إلى الخلاف الواقع في القيود التي قُيِّد بها هذا الوجوب يتبين رجحان المذهب الأول، وهو الصحيح لما يلي:
(1) أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على عمومه مقتض للوجوب العيني؛ لشمول الأدلة كل فرد من أفراد الأمة - فيما لا يعذر أحد بجهله -، كما أن الوجوب العيني في إنكار المنكر أشد منه في الأمر بالمعروف؛ ذلك أن ترك إنكار المنكر بالقلب جمعٌ بين ترك المأمور، بقوله صلى الله عليه وسلم"فليغيره"، وفعل المحظور بأن ليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، والجبن، أو التخاذل، أو مراعاة مصلحة دنيوية في عدم الإنكار وبيان الباطل.
(2) - أن الدعوة، والحسبة لابد للقائم بهما من علم، لقوله جل جلاله: {قُل هَذِهِ سَبِيلِي أَدعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ... } [3] ، والبصيرة: العلم، وليس متوفرًا في كل مسلم.
فما كان من منكر يحتاج إنكاره إلى علم واجتهاد وفقه: فإنه لا يجب على العامي إنكاره؛ لعدم علمه، وإنما يجب الإنكار على العلماء، وهو فرض عين عليهم، إذا لم يقم أحد منهم بذلك، فإذا قام بذلك فرقة منهم: أصبح في حق الباقين فرض كفاية وسقط الإثم عنهم.
أما ما لا يحتاج إلى علم فإنه إنما يكون فيما لا يعذر أحد بجهله: كالأمور المسلم بحرمتها، فلا تحتاج إلى فقه، أو اجتهاد من المنكِر، كالزنا، وترك الصلاة، وغير ذلك مما لا يختلف اثنان على تحريمها، فيحب حينئذ على من رأى ذلك - أيا كان من أفراد المسلمين: القيام بإنكار تلك المنكرات، والتصدي لها.
وكل أوامر العموم لها مخصصات، كما ذكر ذلك الإمام السيوطي، ومن سبقه من العلماء [4] - رحمهم الله - والله تعالى أعلم.
(2) أن أعلى مراتب الإنكار: التغيير باليد للمستطيع، وليس كل مسلم مستطيع، ثم باللسان، وليس كل مسلم يستطيعه، ثم الإنكار بالقلب، وشرط ذلك كله: العلم بأنه منكر، وليس كل مسلم يعلم ذلك، فتبين بذلك كما تبين من مخصصات الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر - أيضًا: أنها من فروض الكفاية؛ ما قام بها أحد من أفراد الأمة عمومًا، فإذا لم قم بشأن الدعوة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر أحد: تعيين على الجميع، وأثموا بالترك، والله أعلم.
وخلاصة ما سبق:
1 -أن المذهبين متفقان على أن الدعوة والحسبة: واجبة.
2 -أن المذهبين متفقان على أن الدعوة والحسبة: فرض عين في كل من توفرت فيه الأهلية (العلم، والاستطاعة) ، ورأى المنكر، وعلم به في مكان لا يعلم به أحد غيره، أو لا يستطيع أحد غيره أن يقوم بإنكاره.
3 -أنه إنما حصل النزاع فيمن لم تتوفر فيه الأهلية، وكذلك فيمن توفرت فيه الأهلية: إذا رأى المنكر في مكان ظاهر وفيه من يغيره غيره.
والصواب ما ذهب إليه الجمهور، وهو الوجوب الكفائي؛ لأنه المتمشي مع روح الشريعة ومقاصدها، لقول الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا استَطَعتُم} [5] ، ولقوله صلى الله عليه وسلم:"فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" [6] .
المبحث الثالث: أسس الدعوة
يشمل هذا المبحث: المعنى اللغوي، والاصطلاحي للأسس، كما يشمل بيان أسس الدعوة، وما يختص منها بتأصيل علم الدعوة:
معنى الأسس لغة:
(1) سورة المائدة، الآية 99.
(2) سورة المائدة، الآية 99.
(3) سورة المائدة، الآية 99.
(4) قال الإمام السيوطي: تدبرت نصوص القرآن الكريم فلم أجد نصًا إلا وله مخصص، إلا نصًا واحدًا هو قوله عز وجل {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ... } ، وقال في موضع آخر:"استخرجت من القرآن بعد الفكر آية ..."وذكر الآية، ثم قال:"فإنه لا خصوص فيها". الإتقان في علوم القرآن 2/ 21.
(5) سورة المائدة، الآية 99.
(6) سورة المائدة، الآية 99.