قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى:"ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به بعض الناس: سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع: أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف، ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو" [1] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في معرض كلامه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:"وقد تبين أنهما واجبان على كل فرد من أفراد المسلمين، وجوب فرض الكفاية، لا وجوب فرض الأعيان، كالصلوات الخمس، بل كوجوب الجهاد" [2] .
ومن أبرز أدلتهم ما يلي:
1 -قول الله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، وعلى هذا: فكلمة (من) في الآية تبعيضيه، فمتى قام بهذا الأمر مجموعة من أفراد الأمة: سقط الإثم عن الباقين.
وبهذا قال كل من القرطبي [3] ، وابن كثير [4] ، وابن العربي [5] ، والجصاص [6] ، والفخر الرازي [7] ، وغيرهم من العلماء [8] .
2 -وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [9]
هذه الآية لها وجهان من التفسير، أولهما أنها نزلت في الجهاد في سبيل الله، وفيها النهي عن نفرة الجميع للجهاد وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالأمر هنا أن تنفر طائفة للجهاد وتبقى أخرى للتفقه لتنذر من رجع من الغزو، وقيل غير ذلك، وثانيهما في طلب الفقه في الدين، فتنفر فرقة للتفقه، لتنذر قومها بعد رجوعها إليها.
وعلى أي الوجهين فسرت، فإن ابن كثير - رحمه الله - يرى فرضيتها الكفائية في الجهاد، أو التفقه [10] ، كما أن من وجوه الاستدلال في هذه الآية: أن كلمة {طَآئِفَةٌ} نكرة تبين أن التفقه في الدين وما يترتب عليه من الإنذار واجب على الكفاية، وتعيين مقدار الطائفة وضبط حد التفقه موكول إلى ولاة أمور الفرق فتتعين الطائفة بتعيينهم فهم أدرى بمقدار ما تتطلبه المصلحة المنوط بها وجوب الكفاية [11] ، وقوله: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} يعني ينفر بعض ويقعد بعض [12] ، فلو كانت متعينة على الجميع: لأوجب الله نفرهم جميعًا؛ للتفقه في الدين [13] .
3 -قوله صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكر فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" [14] .
فهذا الحديث قيد بالاستطاعة، وقد ترك أبو سعيد الخدري رضي الله عنه النهي عن تقديم الخطبة على صلاة العيد؛ وعلل ذلك الترك بخوفه على نفسه أو حصول فتنة، فسقط عنه الإنكار، وقيل غير ذلك، ولو كان واجبًا عينيًا لما وسع أبو سعيد تركه [15] .
2 -المذهب الثاني: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فرض عين.
واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
1 -قوله عز وجل: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وعلى هذا فكلمة (من) في الآية: بيانية، نظير ذلك قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} أي اجتنبوا الأوثان فإنها رجس كلها [16] .
2 -قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... } [17] ، وفيه دليل على أن الأمة كلها أمرت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [18] .
(1) سورة المائدة، الآية 99.
(2) مجموع الفتاوى 15/ 167.
(3) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 4/ 165، (تفسير القرطبي) ط المكتبة الألفية للسنة النبوية.
(4) ينظر: تفسير ابن كثير 1/ 368.
(5) ينظر: أحكام القرآن لأبي بكر بن العربي 1/ 292.
(6) ينظر: أحكام القرآن 2/ 35، لأبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص الحنفي.
(7) ينظر: التفسير الكبير 4/ 182.
(8) ينظر: مختصر منهاج القاصدين، ص 122، 128؛ وينظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 28/ 125.
(9) سورة المائدة، الآية 99.
(10) ينظر: تفسير ابن كثير 2/ 382، 383.
(11) تفسير التحرير والتنوير 11/ 61، لابن عاشور.
(12) تفسير مجاهد 1/ 289.
(13) ينظر: في هذا المعنى: تفسير أبي السعود المسمى: إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم 4/ 112.
(14) سبق تخريجه، ينظر: ص 54 تعليق رقم (1) من هذا البحث.
(15) ينظر: النووي على مسلم 1/ 22.
(16) ينظر: زاد المسير في علم التفسير 1/ 434 - لابن الجوزي-؛ وينظر: التفسير الكبير 4/ 282.
(17) سورة المائدة، الآية 99.
(18) معاني القرآن وإعرابه 1/ 463.
وقد رد الزجاج بنفسه على هذا الرأي بقوله:"ويجوز أن تكون أمرت منهم فرقة لأن قوله {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّة ... } ذكر الدعاة إلى الإيمان، والدعاة ينبغي أن يكونوا علماء بما يدعون إليه الناس، وليس الخلق كلهم علماء، والعلم ينوب فيه بعض الناس عن بعض وكذلك الجهاد"المرجع نفسه.