ويصلح لوصف الوقائع التاريخية فراويه عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم مشهور بمعرفة المغازي.
وقد بلغ قتلى يهود في معارك خيبر ثلاثة وتسعين رجلًا [1] . وسبيت نساؤهم وذراريهم، ووقعت في السبي صفية بنت حيي بن أخطب أم المؤمنين رضي الله عنها فأعتقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها [2] .
واستشهد من المسلمين عشرون رجلًا فيما ذكر ابن إسحاق [3] ، وأما الواقدي فذكر أنهم خمسة عشر رجلًا [4] وهذا من خذلان الله تعالى ليهود فإن قتلاهم وهم يدافعون في حصون منيعة أكثر بكثير من شهداء المسلمين المهاجمين في ساحات مكشوفة!! وقد صح أن امرأة يهودية أهدت النبي صلى الله عليه وسلم شاة مشوية قد سمتها، وأكثرت السم في الذراع عندما عرفت أنه يحبها، فلما أكل من الذراع أخبره أنه مسموم فلفظ اللقمة، واعترفت المرأة فلم يعاقبها [5] . وقد قتلها بعد ذلك عندما مات بشر بن معرور من أثر السم الذي ازدرده مع الطعام [6] .
ومما أعان على فتح خيبر تفرغ المسلمين بعد صلح الحديبية لقتال يهود خيبر دون أن تنجدهم قريش، وتخاذل قبيلة غطفان حليفة يهود خيبر عن نجدتهم خوفًا على ديارهم من المسلمين. وقد أصابت الكآبة والغيظ قريشًا لما بلغها خبر انتصار المسلمين على يهود خيبر [7] وهو أمر ما كانت تتوقعه لما هو مشهور من حصانة قلاع اليهود وحصونهم في خيبر وكثرة مقاتليهم وسلاحهم. وكذلك كان صدى فتح خيبر مدويًا في أوساط القبائل العربية الأخرى التي أدهشها الخبر وخذَّلها النصر، فكفكفت من عدائها، وجنحت إلى المسالمة والموادعة، فتفتحت آفاق جديدة أمام انتشار الإِسلام.
عدم إجلاء يهود خيبر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم:
وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبقى يهود خيبر فيها على أن يعملوا في زراعتها وينفقوا عليها من أموالهم ولهم نصف ثمارها. على أن للمسلمين حق إخراجهم منها متى أرادوا وكان اليهود قد بادروا بعرض ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: نحن أعلم بالأرض منكم فوافق على ذلك بعد أن هَمّ بإخراجهم منها [8] .
وهمه بإخراجهم دليل على أنّ خيبر كلها فتحت عنوة لأن من صالح منهم صالح على حقن دمه وإجلائه منها.
فأقاموا فيها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث من قبله رجلًا لتقدير الثمار وقبض حصة المسلمين، وقد بعث عبد الله بن رواحة مرة فقدر الثمار بعشرين ألف وسق من تمر ثم خيرهم بين أخذها حسب تقديره أو تركها له وفق ذلك فقالوا متعجبين من عدالته: هذا الحق وبه تقوم السماوات والأرض قد رضينا أن نأخذه بما قلت [9] .
ولكن وردت رواية أخرى صحيحة تفيد أنه قدرها بأربعين ألف وسق فأخذوا التمر وعليهم عشرون ألف وسق [10] .
والجمع بين الروايتين الصحيحتين ممكن لأن المراد بالأربعين حصة اليهود والمسلمين، وبالعشرين
(1) مغازي الواقدي 2/ 699.
(2) صحيح مسلم، كتاب النكاح 2/ 1045.
(3) سيرة ابن هشام 2/ 804 - 805 حيث يذكر قائمة بأسمائهم.
(4) مغازي الواقدي 2/ 700.
(5) البخاري: الصحيح 5/ 176 ومسلم: الصحيح 7/ 14 - 15.
(6) الحاكم: المستدرك 3/ 220.
وابن هشام: السيرة 2/ 240 - 241.
(7) مسند أحمد 3/ 138 وموارد الظمآن 413.
(8) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب معاملة النبي أهل خيبر 7/ 496 وصحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب المساقاة والمعاملة بجزء من التمر والزرع 3/ 1186، 1187 -
وأبو داود: سنن، كتاب البيوع، باب في المساقاة 3/ 697 ولا يتعارض ذلك مع رواية أخرى في سنن أبي داود، كتاب الخراج باب ما جاء في حكم أرض خيبر 3/ 412 تقول (فلما صارت الأموال بيد النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ولم يكن لهم عمال يكفونهم عملها فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود فعاملهم) إذ يمكن التوفيق بأن اليهود عرضوا ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه رد عليهم بعد أن تأمل في عرضهم ورأى ما فيه من مصلحة للمسلمين فدعاهم وعاملهم.
(9) الفتح الرباني في ترتيب مسند أحمد 21/ 125 وهو حديث صحيح.
(10) أبو داود سنن، كتاب البيوع، باب الخرص 3/ 700 وأبو عبيد: الأموال 198.