مجرى الماء عنهم واضطروهم إلى النزول للقتال وأصابوا منهم عشرة وفتح الحصن بعد حصار ثلاثة أيام، وانتقل المسلمون من الرجيع إلى المنزلة بعد أن تخلصوا من أهل النطاة وهم أشد اليهود.
ولا شك أن موقف المسلمين قوي كثيرًا بعد هزيمة أهل النطاة وحيازتهم أطعمتهم ومتاعهم، بالإِضافة إلى ما أصاب بقية يهود خيبر من رعب لسقوط منطقة النطاة.
وقد توجه المسلون لفتح منطقة الشق وهي تحتوي على عدة حصون منها حصن أبي وحصن النزار، وقد بدأ المسلمون بفتح حصن أبي وجرت مبارزات فردية أمام الحصن أصيب فيها بعض مقاتلة يهود ثم اقتحم المسلمون الحصن وحازوا ما فيه من طعام ومتاع، وتمكن بعض مقاتلة يهود من التحول إلى حصن نزار وتحصنوا فيه وقاتلوا المسلمين بالنبل والحجارة ثم تهاوت مقاومتهم أمام حصار المسلمين حتى فتح الحصن وفر بقية أهل الشق من حصونهم إلى منطقة الكتيبة في الجنوب الغربي من خيبر وتحصنوا في حصن القموص المنيع، وتحصن بعض فلَّهم مع أهل حصني الوطيح والسلالم فحاصرهم المسلمون أربعة عشر يومًا حتى طلبوا الصلح دون أن يقع قتال إذ إن حصن نزار كان آخر حصن جرى فيه قتال وانهارت بعده مقاومة اليهود فاقتصروا على التحصن في حصونهم وانتهى التحصن دائمًا بطلب الصلح.
ووصف فتح حصون الصعب والزبير ومنطقتي الشق والكتيبة يعتمد على الواقدي [1] . الذي انفرد بتقديم صورة واضحة عن أحداث فتح هذه المناطق، وهو إخباري غزير المعلومات رغم ضعفه عند المحدثين، ولكن مثل هذه الأخبار مما يتساهل فيه.
أما روايات ابن إسحاق في وصف خيبر فهي مضطربة وتنقصها الدقة إذا ما طوبقت مع مواقع حصون خيبر.
وقد ذكرت رواية صحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل أهل خيبر فغلب على النخل والأرض، وألجأهم إلى قصرهم، فصالحوه على أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء والحلقة [2] . ولهم ما حملت ركابهم على أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئًا فإن فعلوه فلا ذمة لهم ولا عهد. فغيبوا مسكًا لحيي بن أخطب، وقد كان قتل قبل خيبر، وكان احتمله معه يوم بني النضير حين أجليت النضير، فيه جلبهم.
قال: فقال لسعية [3] أين مسك حيي بن أخطب؟.
قال: أذهبته الحروب والنفقات. فوجدوا المسك.
فقتل ابني أبي الحقيق، وسبى نساءهم وذراريهم [4] .
ويذكر ابن إسحاق دون إسناد أن الذي أخفى الكنز وسئل عنه هو كنانة بن الربيع [5] ويذكر ابن سعد كنانة وأخوه الربيع [6] ، وفي إسناد ابن سعد محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو صدوق سيئ الحفظ جدًا [7] .
والثابت أن يهود حصن القموص سألوا النبي صلى الله عليه وسلم الصلح ونكثوا العهد فحاز أموالهم.
أما أهل حصني الوطيح والسلالم فإنهم لما أيقنوا بعدم جدوى المقاومة بعد سقوط النطاة والشق والقموص سألوا النبي صلى الله عليه وسلم"أن يسيرهم وأن يحقن دماءهم ففعل" [8] .
وبذلك سقطت سائر خيبر بيد المسلمين، وسارع أهل فدك في شمال خيبر إلى طلب الصلح وأن يسيرهم ويحقن دماءهم ويخلوا له الأموال فوافق على طلبهم [9] فكانت فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وحاصر المسلمون وادي القرى، وهي مجموعة قرى بين خيبر وتيماء ليالي [10] ثم استسلمت فغنم المسلمون أموالًا كثيرة وتركوا الأرض والنخل بيد اليهود وعاملهم عليها مثل خيبر وصالحت تيماء على مثل صلح خيبر ووادي القرى [11] .
وبذلك انهارت سائر المعاقل اليهودية أمام المسلمين. وخبر طلب الصلح من قبل أهل حصني الوطيح والسلالم وأهل فدك أورده ابن إسحاق بسند منقطع لا يصلح للاحتجاج به في أحكام السياسة الشرعية،
(1) مغازي الواقدي 2/ 259، 670.
(2) أي الذهب والفضة والسلاح والدروع.
(3) عم حيي بن أخطب (عون المعبود 8/ 241) .
(4) أبو داود: السنن، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب ما جاء في حكم أرض خيبر 3/ 408.
(5) ابن هشام: السيرة 3/ 449.
(6) ابن سعد: الطبقات 2/ 112.
(7) تقريب التهذيب 2/ 184.
(8) سيرة ابن هشام 3/ 449.
(9) المصدر السابق.
(10) تاريخ خليفة 85 نقلًا عن ابن إسحاق.
(11) ابن القيم: زاد المعاد 1/ 405.