فتح خيبر [1] وبقية المعاقل اليهودية في الحجاز
خيبر واحة زراعية تقع شمال المدينة المنورة، وتبعد عنها بحوالي 165 كم [2] وترتفع عن سطح البحر بنحو 850 م. وهي من أعظم حرار بلاد العرب بعد حرة بني سليم [3] وامتازت خيبر بخصوبة أرضها ووفرة مياهها فاشتهر بكثرة نخيلها.
هذا سوى ما تنتجه من الحبوب والفواكه لذلك كانت توصف بأنها قرية الحجاز ريفًا ومَنَعةً ورجلًا، وكان بها سوق يعرف بسوق النطاة تحميه قبيلة غطفان التي تعتبر خيبر ضمن أراضيها [4] .
ونظرًا لمكانتها الاقتصادية فقد سكنها العديد من التجار وأصحاب الحرف وكان فيها نشاط واسع للصيرفة.
وكان يسكنها قبل الفتح أخلاطٌ من العرب واليهود، وزاد عدد اليهود فيها بعد إجلاء يهود المدينة في عهد السيرة [5] .
ولم يظهر يهود خيبر العداء للمسلمين حتى نزل فيهم زعماء بني النضير، الذين حز في نفوسهم إجلاؤهم عن ديارهم، ولم يكن الإجلاء كافيًا لكسر شوكتهم، فقد غادروا المدينة ومعهم النساء والأبناء والأموال وخلفهم القيان يضربن الدفوف والمزامير بزهاء وفخر ما رُئي مثله في حي من الناس في زمانهم [6] .
وكان من أبرز زعماء بني النضير الذين نزلوا في خيبر سلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب فلما نزلوا دان لهم أهلها [7] .
وكان تزعم هؤلاء ليهود خيبر كافيًا في جرها إلى الصراع والتصدي للانتقام من المسلمين فقد كان يدفعهم حقد دفين ورغبة قوية في العودة إلى ديارهم داخل المدينة.
وكان أول تحرك قوي ما حدث في غزوة الأحزاب حيث كان لخيبر وعلى رأسها زعماء بني النضير دور كبير في حشد قريش والأعراب ضد المسلمين وتسخير أموالهم في ذلك ثم سعيهم الناجح في إقناع بني قريظة بالغدر والتعاون مع الأحزاب [8] .
فلما رد الله الأحزاب عن المدينة خائبين، اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم بمعالجة الموقف في خيبر التي صارت مصدر خطر كبير على المسلمين.
ويذكر ابن إسحاق بإسناد فيه راو مجهول أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل إليهم كتابًا يدعوهم إلى الإسلام ويذكرهم بما في كتبهم من ذكر بعثته عليه الصلاة والسلام [9] . ولم يستجب اليهود بالطبع لدعوته ولم يعتذروا عما فعلوه في تأليب الأحزاب فكان أن عمد الرسول إلى القضاء على زعمائهم الذين لعبوا دورًا في التأليب عليه، ومنهم سلام بن أبي الحقيق الذي وجه الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عتيك ومعه رجال من الأنصار فقتلوه.
وقد ساق البخاري قصة قتله مفصلة حيث احتال عبد الله بن عتيك في الدخول إلى بيت داخل حصنه وبين حرسه ورجاله حتى قتله في مخدعه [10] . مما يدل على رباطة جأشه وعلو همته وعظم استعداده للتضحية من أجل عقيدته.
ولكن القضاء على بعض الزعماء لا يكفي لإِزالة الخطر عن المسلمين، وكانت معاهدة الحديبية التي وقعت سنة ست من الهجرة بين المسلمين وقريش، قد أتاحت الفرصة أمام المسلمين ليتفرغوا لفتح خيبر. وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن الله تعالى وعد المسلمين بفتح خيبر وحيازة غنائمها في سورة الفتح التي
(1) أفدت في حصر الروايات وانتقاء الصحيح منها في هذا المبحث من الرسالة التي أعدها الشيخ عوض أحمد الشهري، وعنوانها (مرويات غزوة خيبر لنيل درجة الماجستير من قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وكنت أحد أعضاء لجنة المناقشة، وهي رسالة نافعة حبذا لو نشرت بعد تنقيحها.
(2) هذا بالنسبة للطريق السفلت، وهو يختلف عن الطريق التي سلكها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى خيبر.
(3) انظر الموسوعة العربية الميسرة 770 وحمد الجاسر: في شمال غرب الجزيرة 217.
(4) حمد الجاسر: في شمال غرب الجزيرة 236 - 237.
(5) حمد الجاسر في شمال غرب الجزيرة 238 - 239.
(6) ابن هشام: السيرة 3/ 272.
(7) ابن هشام: السيرة 3/ 272.
(8) ابن هشام: السيرة 3/ 253 وقد نقل ذلك عن أئمة السيرة جامعًا لأسانيدهم وفيها راو مجهول ومعلوله بالإرسال لكنها مما يتساهل فيه من الأخبار ولا يشترط لقبولها بلوغ درجة الصحة الحديثية.
(9) ابن هشام: السيرة 2/ 195.
(10) فتح الباري، كتاب المغازي، باب قتل أبي رافع 7/ 340.