نزلت في طريق العودة من الحديبية، وذلك بقوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا، ومَغَانِم كَثِيرَة يَأخُذُونَها وَكَانَ الله عَزيزًا حَكيِمَا، وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرا} [1] .
تاريخ الغزوة:
ذهب ابن إسحاق إلى أنها في المحرم من السنة السابعة، وقال الواقدي إنها في صفر أو ربيع الأول من السنة السابعة بعد العودة من الحديبية إلى المدينة في ذي الحجة سنة ست [2] وذهب الإِمامان الزهري ومالك إلى أنها وقعت في المحرم من السنة السادسة [3] وقد تابع المؤرخون هؤلاء الروّاد في تحديد تاريخ الغزوة فاختلفت أقوالهم تبعًا لذلك، والخلاف بين ابن إسحاق والواقدي يسير أقل من ثلاثة أشهر. وكذلك فإن الخلاف بينهما وبين الإِمامين الزهري ومالك مرجعه إلى الاختلاف في ابتداء السنة الهجرية الأولى فمنهم من احتسب الأشهر التي سبقت ربيع أول بداية التقويم فأسقط سنة من تواريخ الحوادث، ولا بد من التفطن لهذا المر عندما يكون الاختلاف بين كتاب السير في تاريخ الحادث سنة واحدة. وقد رجح الحافظ ابن حجر قول ابن إسحاق على قول الواقدي [4] .
الطريق إلى خيبر:
ولما توجه المسلمون بقيادة المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى خيبر كانوا يكبّرون ويهللون رافعين أصواتهم فطلب منهم أن يرفقوا بأنفسهم قائلًا:"إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم" [5] وهذه الصورة توضح الروح المهيمنة على الجيش الإسلامي ودوافعه الإِيمانية القوية ومعنوياته القتالية العالية وهو يتوجه نحو قلاع وحصون ملئت رجالًا وسلاحًا ومؤونة ومتاعًا، ولكن هل يحول ذلك كله دون المؤمنين وبلوغهم أهدافهم السامية؟.
وقد انفرد الواقدي بتحديد الطريق التي سلكها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى خيبر بصورة مفصلة، والواقدي خبير بمسالك الطرق وتحديد الأماكن التي جرت فيها أحداث السيرة فقد كان يتتبعها ويسأل عنها، ويقف عليها بنفسه، وقد بين أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة فسلك ثنية الوداع فزغابة فنقمى فالمستناخ فالوطه فعصر فالصهباء فالخرصة ثم سلك بين الشق والنطاة ثم المنزلة ثم الرجيع حيث انطلق منها لفتح خيبر [6] . والملاحظ أن الرجيع تقع شمال شرق خيبر ويبدو أن النبي صلى الله عليه وسلم قصد من ذلك أن يفصل خيبر عن الشام وعن حلفائها من غطفان.
وصف فتح خيبر:
وقد افتتح النبي صلى الله عليه وسلم منطقة النطاة أولًا وسقط حصناها ناعم والصعب بيد المسلمين ثم منطقة الشق وسقط حصناها أبي والنزار، والنطاة والشق في الشمال الشرقي من خيبر ثم فتح منطقة الكتيبة وأسقط حصنها المنيع (القموص) وهو حصن ابن أبي الحقيق. ثم افتتح منطقة الوطيح ثم منطقة السلالم وأسقط حصنيها وهذا التسلسل في فتح مناطق خيبر معتمد على وصف الواقدي [7] ، ويختلف وصف ابن إسحاق في التقديم والتأخير فهو يتفق مع الواقدي في أن بداية الفتح كانت لحصن ناعم من منطقة النطاة ويختلف في تقديم فتح حصن القموص على حصن الصعب [8] .
وتدل الأحاديث الصحيحة على أن النبي صلى الله عليه وسلم وصل خيبر قبل انبلاج الفجر وصلى الفجر قربها ثم هاجمها بعد أن بزغت الشمس، وقد فوجئ الفلاحون من يهود الذين خرجوا إلى أعمالهم ومعهم مواشيهم وفؤوسهم ومكاتلهم بوجود المسلمين فقالوا: محمد والخميس!! فقال الرسول صلى الله
(1) الفتح 18 - 21.
(2) سيرة ابن هشام 2/ 130 والواقدي: المغازي 2/ 634.
(3) ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق 1/ 33.
(4) الفتح 7/ 464.
(5) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر 7/ 470.
(6) مغازي الواقدي 2/ 639.
(7) مغازي الواقدي 2/ 639.
(8) سيرة ابن هشام 3/ 438.