لم ترد رواية صحيحة من الناحية الحديثية تدل على إنذار النبي صلى الله عليه وسلم لبني النضير بالجلاء لكن إجلاءهم ثابت في حديث صحيح يرويه عبد الله بن عمر (رض) [1] . أما الإنذار فقد ذكره الواقدي وابن سعد - دون إسناد - وفيه أنه طلب منهم الخروج من المدينة خلال عشرة أيام فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه، فاستعدوا للخروج لكن عبد الله بن أبي بن سلول حرضهم على التمرد وعدم الخروج ووعدهم النصر، فأعلنوا تمردهم وحاصرهم المسلمون [2] وقد أوردت روايتان - بإسنادين موقوفين على عروة بن الزبير وموسى بن عقبة وفيهما رواة لم أعثر لهم على ترجمة - خبر إنذار النبي لبني النضير بالجلاء [3] ، وقد سجلت معظم كتب السيرة خبر الإنذار دون أسانيد [4] . ورغم أن موقف المنافقين لم تسجله إلا روايات ضعيفة لا تصلح للاحتجاج بها لكن يكفي لثبوته ما ورد في سورة الحشر التي ثبت بطرق صحيحة أنها نزلت في بني النضير [5] .
حصار بني النضير ومعاهدة إجلائهم:
وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصرهم بالكتائب وقال لهم:"إنكم لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدوني عليه"، فأبوا أن يعطوه عهدًا، فقاتلهم يومهم ذلك، هو والمسلمون ثم غدا الغد على بني قريظة بالخيل والكتائب، وترك بني النضير ودعاهم إلى أن يعاهدوه، فعاهدوه فانصرف عنهم وغدا إلى بني نضير بالكتائب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل إلا الحلقة [6] ، فجاءت بنو النضير، واحتملوا ما أقلت الإبل من أمتعتهم، وأبواب بيوتهم، فكانوا يخربون بيوتهم، فيهدمونها فيحملون ما وافقهم من خشبها" [7] ."
وقد ثبت بنص القرآن [8] والحديث [9] أن النبي صلى الله عليه وسلم حرق وقطع بعض نخل بني النضير خلال الحصار.
وتقرر معاهدة الجلاء حقن دماء اليهود، وإجلاءهم عن ديارهم، والسماح لهم بأخذ ما تحمله إبلهم من المتاع والأموال سوى السلاح فيتركونه للمسلمين. ويمكن الجمع بين الروايات الصحيحة التي تذكر أنهم أجلوا إلى الشام [10] وبين ما ذكره ابن سعد [11] من توجههم إلى خيبر بأن زعماءهم مثل حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع وغيرهم ذهبوا إلى خيبر ومعظمهم ذهب إلى الشام، ورواية ابن سعد ضعيفة دون إسناد ولكن تؤيد ذلك الأحداث اللاحقة الثابتة بالمرويات القوية مثل أخبار قتالهم في غزوة خيبر وقتل كنانة وأسر صفية وخبر سلام بن أبي الحقيق، والجمع يكون بالقول بأنهم أجلوا إلى الشام وبعضهم استقر بخيبر. وبذلك قال ابن إسحاق [12] . وقد أسلم من بني النضير اثنان فأحرزا
(1) البخاري: صحيح 3/ 11.
ومسلم: صحيح 5/ 159.
(2) مغازي الواقدي 1/ 363 - 370 والواقدي متروك وابن إسحاق: سيرة ابن هشام 3/ 682 بدون إسناد، وطبقات ابن سعد 3/ 57 - 58 بدون إسناد، والبيهقي دلائل النبوة 3/ 446 - 450 بإسناد فيهما مجاهيل أربعة.
(3) البيهقي: دلائل النبوة 3/ 446 - 448، وأبو نعيم: دلائل النبوة 3/ 176 - 177. وفي إسناديهما أبو جعفر محمد بن عبد الله البغدادي وأبو علاقة محمد بن عمرو بن خالد ومحمد بن عبد الله بن عتاب والقاسم بن عبد الله بن المغيرة ولم أعثر على تراجمهم، وبقية رجال الإسنادين ممن يحتج به.
(4) تاريخ الطبري 3/ 334 - 335، وابن سيد الناس: عيون الأثر 3/ 48. وابن كثير: البداية والنهاية 3/ 45 وغيرها.
(5) ابن سيد الناس: عين الأثر 2/ 49، وابن كثير: التفسير 4/ 330، والسيوطي: لباب النقول في أسباب النزول 214.
(6) الحلقة: السلاح.
(7) عبد الرزاق: المصنف 5/ 358 - 361، وأبو داود: السنن 3/ 404 - 407، والبيهقي: دلائل النبوة 3/ 446 - 448، وانظر فتح الباري 7/ 331.
(8) سورة الحشر من الآية 5 قوله تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ الله
(9) صحيح البخاري 3/ 11، 143، وسنن أبي داود 3/ 36، وسنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي 5/ 175 - 158، وسنن ابن ماجة 3/ 948 - 949.
(10) عبد الرزاق: المصنف 5/ 358 - 361.
(11) ابن سعد: الطبقات 3/ 58.
(12) ابن هشام: السيرة 3/ 683 دون إسناد ويؤيد ما في دلائل النبوة 3/ 446 - 449 بإسناديه إلى عروة وموسى بن عقبة وفيهما رجال لم أعثر لهم على ترجمة.