فأنقذه الله بنعمة منه. لكن هذه الآثار فيها ضعف ويمكن أن تعتضد لتصبح بمجموعها صالحة للاحتجاج بها [1] . وهي تقوي ما ذهب إليه ابن إسحاق ولكن يبقى السؤال قائمًا دون جواب حاسم: متى تمت غزوة بني النضير؟ لم يجزم ابن حجر برأي قاطع في الأمر رغم رجحان الدليل الصحيح عنده وعلق التسليم برأي ابن إسحاق بثبوت تعلق الغزوة بقصة العامريين القتيلين ... ويبدو أن استفاضة الروايات على ضعفها في تأييد قول ابن إسحاق، هو السبب في عدم جزم الحافظ، وهو مسلك مع الروايات التاريخية يتسم بالمرونة في تطبيق قواعد مصطلح الحديث وبمراعاة التخصص واحترام أقوال أصحاب المغازي.
سبب غزوة بني النضير:
تذكر المصادر ثلاثة أسباب لهذه الغزوة:
الأول: محاولة بني النضير قتل الرسول صلى الله عليه وسلم بعد غزوة بدر الكبرى وقد سجلت لهم المصادر محاولتين، الأولى بعد كتابة قريش إليهم وتهديدها لهم بالحرب إن لم يقاتلوا الرسول صلى الله عليه وسلم، فاستجاب بنو النضير لهم وعزموا على الغدر، وأرسلوا إلى النبي أن يخرج إليهم في ثلاثين رجلًا من أصحابه، ووعدوا أن يخرجوا بمثلهم من أحبارهم، إلى موضع وسط ليستمعوا منه، فإن صدقوه آمنت يهود، فلما اقتربوا اقترح اليهود أن يجتمع النبي ومعه ثلاثة من أصحابه بثلاثة من أحبارهم فإن أقنعهم آمنت بنو النضير، وقد حمل الثلاثة خناجرهم، لكن امرأة منهم أفشت خبرهم لأخ لها مسلم، فأخبر النبي فرجع ولم يقابلهم، ثم حاصرهم بالكتائب وقاتلهم فنزلوا على الجلاء وعلى أن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح فاحتملوا حتى أبواب بيوتهم. وهذه الرواية إسنادها رجاله ثقات وفيه جهالة اسم الصحابي ولا تضر [2] .
أما المحاولة الثانية فقد رواها ابن إسحاق وتابعه معظم كتاب السيرة الآخرين، وتتلخص بأن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني النضير ليستعين بهم على دفع دية رجلين معاهدين قتلهما خطأ عمرو بن أمية الضمري في أعقاب حادثة الرجع، فجلس النبي إلى جدار لبني النضير فهموا بإلقاء حجر عليه وقتله فأخبره الوحي بذلك فانصرف عنهم مسرعًا إلى المدينة ثم أمر بحصارهم فنزلوا على الصلح بعد حصار ست ليال، على أن لهم ما حملت الإبل [3] وهذه الرواية موقوفة على يزيد بن رومان وهو من صغار التابعين، لكنها تتقوى مع المتابعة وقد توبعت برواية عروة بن الزبير في مغازي موسى بن عقبة [4] ، أما موسى بن عقبة صاحب المغازي فقد ذكر فيها إضافة لما ذكره ابن إسحاق أنه"كانت النضير قد دسوا إلى قريش وحضوهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ودلوهم على العورة" [5] .
ورغم أن رواية عبد الرزاق أقوى سندًا من رواية ابن إسحاق، ولكن الأخيرة حظيت بقبول كتاب السيرة، وكلتا الروايتين تعزو حصار المسلمين لبني النضير إلى محاولتهم قتل الرسول الله صلى الله عليه وسلم غدرًا، وأما رواية موسى بن عقبة فلم تحدد وقتًا للأعمال التي ارتكبها اليهود ضد المسلمين من الدس والتحريض وتقديم المعلومات لقريش، والمعروف أنهم حرضوا المشركين على قتال المسلمين فكانت غزوة أحد، وأنهم أعانوا أبا سفيان في غزو أطراف المدينة التي أدت إلى مطاردة المسلمين له في غزوة السويق بعد أحد، ومعلوم تلك الأشعار التي أنشدها كعب بن الأشرف النضري في تحريض قريش على حرب المسلمين. فلعل الإشارة إليها في رواية موسى بن عقبة فيكون ما ذكره إشارة إلى سوء العلاقة بين المسلمين وبني النضير وأنها ختمت بمحاولة الغدر التي كانت سببًا مباشرًا في حصارهم تقف وراء سلسلة من الأعمال العدائية.
إنذار الرسول صلى الله عليه وسلم لبني النضير بالجلاء
(1) انظر أسانيدها في تفسير الطبري 6/ 146 - 137 بأسانيد منها ما فيها الوقف على يزيد ابن رومان ومنها ما فيها ضعف محمد بن حميد الرازي وكثرة خطأ سلمة بن الفضل الأبرشي. ودلائل النبوة لأبي نعيم ص 176 - 177 بأسانيد فيها ضعف وترقى إلى ابن عباس وعروة ودلائل النبوة للبيهقي 3/ 446 - 448 بسنديه إلى عروة ابن الزبير وموسى بن عقبة (موقوفين عليهما) .
وابن كثير التفسير 3/ 31 نقلًا عن ابن إسحاق ومجاهد وعكرمة.
(2) عبد الرزاق: المصنف 5/ 359 - 360، وانظر فتح الباري 7/ 331، وسنن أبي داود 2/ 139 - 140، كتاب الخراج والفيء والإمارة. والمستدرك للحاكم 2/ 483 كتاب التفسير.
(3) ابن إسحاق: السيرة 3/ 191.
(4) ابن حجر: فتح الباري 7/ 331.
(5) ابن حجر: فتح الباري 7/ 332.