في غداة واحدة". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هم لك" [1] . وأمر بهم أن يجلوا عن المدينة وتولى أمر إجلائهم عبادة بن الصامت، فلحقوا بأذرعات، وتولى قبض أموالهم محمد بن مسلمة الأنصاري حيث تم تقسيمها بين الصحابة بعد إخراج الخمس للرسول الله صلى الله عليه وسلم [2] ."
وقد نزل في إجلاء بني قينقاع قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (إلى قوله تعالى: (فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وَأُخْرَى كَافِرَة ٌ [3] وقد نقل أهل التفسير أن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ الله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [4] . نزل في موالاة عبد الله بن أبي ليهود بني قينقاع وفي نفس الوقت أعلن عبادة بن الصامت براءته من حلفائه من يهود مظاهرة لله ولرسوله بقوله:"يا رسول الله إن لي موالي من يهود كثير عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى الله ورسوله".
والفرق واضح بين عبد الله بن أبي الذي أشرب قلبه النفاق وبين عبادة بن الصامت الذي صقلته التربية المحمدية، وخلصته من آثار العصبية الجاهلية والأهواء والمصالح الشخصية، فنظر إلى مصلحة العقيدة وقدمها على مصالحه الخاصة، فكان مثلًًا للمؤمن الواعي الملتزم.
مقتل كعب بن الأشرف:
ذهب جمهور العلماء إلى أن قتل ابن الأشرف وقع بعد غزوة بدر وقبل غزوة بني النضير، وحدد الواقدي ذلك بدقة فذكر أنه وقع في السنة الثالثة لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرًا من الهجرة النبوية [5] . وكعب بن الأشرف، أبوه عربي من طيء وأمه عقيلة بنت أبي الحقيق من بني النضير الذين حالفهم الأب وتزوج منهم، وكان كعب شاعرًا يناصب الإسلام العداء [6] وقد غاظه انتصار المسلمين ببدر وساءه الأمر فزار مكة، فكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويحرض عليه كفار قريش [7] ويبكي قتلى المشركين ببدر ثم رجع إلى المدينة فشبب بنساء المسلمين [8] فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، وفصّل البخاري خبر مقتله، وخلاصته أن محمد بن مسلمة الأنصاري أبدى استعداده لتنفيذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، واستأذنه في أن يستخدم الخديعة، فأذن له لأن كعبًا صار محاربًا مهدور الدم فمضى محمد بن مسلمة إلى كعب وطلب منه أن يقرضه تمرًا ليدفعه للرسول مظهرًا تذمره منه لما يكلفهم به، فأراد كعب رهينة من النساء أو الأبناء فاعتذر محمد بن مسلمة لما يلحقهم من عار ذلك وعرض عليه أن يرهن عنده السلاح فوافق كعب. فجاءه محمد بن مسلمة ليلًا ومعه صحابي آخر هو أبو نائلة وهو أخو كعب من الرضاعة ومعهما ثلاثة آخرون من الصحابة، فنادوه فنزل إليهم ومشى معهم فاحتالوا لقتله متظاهرين بشم عطر شعره فأجهزوا عليه بسيوفهم حتى أصيب أحدهم بسيوف أصحابه [9] . وقد اشتكت اليهود مقتله، فبين لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ما صدر منه من عداء وهجاء، وفزعت يهود وبقايا المشركين مما حدث وخافوا على أنفسهم، فدعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى كتابة معاهدة بينهم فكتبت صحيفة عامة كما تذكر رواية أبي داود في رواية تصلح للاحتجاج بها
(1) كلام عبد الله بن أبي نقله ابن إسحاق عن عاصم بن عمر موقوفا عليه (ابن هشام: السيرة 2/ 562 - 563) وعاصم من صغار التابعين، فالرواية ضعيفة حسب اصطلاح المحدثين، وهي مما يُتساهل فيه من الأخبار، وأهميتها في ذكر عدد مقاتلي بني قينقاع.
(2) الواقدي: المغازي 1/ 176 - 177 وابن سعد: الطبقات الكبرى 2/ 29.
(3) أبو داود: السنن 3/ 402 - 403 وابن حجر: فتح الباري 7/ 332 وحكم على إسناد أبي داود بالحسن رغم أن فيه محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت وهو حكم عليه في التقريب بأنه مجهول وقد انفرد ابن حبان بتوثيقه.
(4) سورة المائدة الآية 51 - 52 وقد ذكر سبب النزول الطبري في تفسيره 6/ 274 - 275 وابن كثير في تفسيره 2/ 67 - 69 وفي سند الرواية ضعف لأن عطية بن سعد من رجال إسنادها صدوق يخطئ كثيرًا ويدلس ولم يصرح فيها بالسماع، ولكن ابن إسحاق أورد حديثًا مرسلًا في ذلك كما ساق ابن مردويه رواية في ذلك، فربما قويت هذه الروايات ببعضها والله أعلم.
(5) الواقدي: المغازي 1/ 184.
(6) انظر ابن هشام: السيرة 2/ 564 وابن حجر: فتح الباري 7/ 337.
(7) أبو داود: السنن 3/ 402.
(8) ابن هشام: السيرة 2/ 564 - 565 بإسناد ضعيف موقوف على أحد صغار التابعين، لكن ما نقلناه مما يتساهل فيه وتؤيده الروايات الصحيحة الأخرى.
(9) البخاري: الصحيح 5/ 25 - 26.