شوال من السنة الثانية من الهجرة. ويضيف الواقدي أنها كانت يوم السبت للنصف من شوال [1] .
سبب الغزوة:
تشير كتب السيرة إلى أن يهود بني قينقاع أظهروا الغضب والحسد عندما انتصر المسلمون ببدر، وقد بلغ بهم الأمر إلى حد المجاهرة بالعداء.
ولتصوير الجو النفسي الذي أحاط بجلائهم لا بد من استعراض بعض الأحداث ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أن يجمعهم وينصحهم بعد انتصاره ببدر فجمعهم في سوق بني قينقاع، فقال:"يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشًا. قالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرًا في قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال: إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا"ولا يخفى ما ردهم من تحدٍّ وتهديد مع أنهم كانوا قد انضموا تحت لواء رئاستة بموجب المعاهدة، وهذه الرواية وردت من طريق ابن إسحاق [2] وقد حسنها الحافظ ابن حجر [3] . ولكن في سندها محمد بن محمد مولى زيد بن ثابت، حكم عليه الحافظ نفسه بأنه مجهول [4] .
وإذا قبلنا تحسين ابن حجر لها فإن ذلك لا يعني أن سبب جلاء بني قينقاع يعود إلى رفضهم قبول الإسلام، ففي هذه المرحلة كان الإسلام يقبل التعايش السلمي معهم ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يشترط على أحد من يهود أن يدخل في الإسلام مقابل بقائه في المدينة المنورة بل إن نصوص المعاهدة [5] تؤكد إعطاء اليهود حريتهم الدينية في المدينة المنورة. وإنما يعود سبب الجلاء إلى ما أظهروه من روح عدائية. انتهت إلى الإخلال بالأمن داخل المدينة المنورة، فقد وردت رواية تشير إلى أن أحدهم عقد طرف ثوب امرأة مسلمة في سوق بني قينقاع، فلما قامت انكشفت وصاحت فقام أحد المسلمين فقتل اليهودي وتواثب اليهود فقتلوا المسلم، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع. وهذه الرواية ضعيفة في إسنادها انقطاع بين ابن هشام وعبد الله بن جعفر المخرمي، ثم إنها موقوفة على تابعي صغير مجهول الحال هو أبو عون ولكن يستأنس بها من الناحية التاريخية، فقد أوردتها معظم مصادر السيرة [6] وهي تصور تتابع الأحداث التي أدت إلى إجلاء بني قينقاع، وإن رفضهم الدخول في الإسلام لم يكن سبب جلائهم، بل السبب الحقيقي في ذلك هو إخلالهم بالأمن ومجاهرتهم بالعدوان مما جعل الرسول صلى الله عليه وسلم يقتنع بعدم إمكان العيش معهم بسلام.
الحصار:
إن خبر إجلاء بني قينقاع صحيح [7] وقد أورد ابن إسحاق - بروايته عن عاصم بن عمر بن قتادة - والواقدي - دون إسناد - تفاصيل حصار المسلمين لبني قينقاع، وتابعهم المؤرخون وكتاب السيرة في ذلك، ورغم أن هذه التفاصيل لم تثبت صحتها من الناحية الحديثية ولكنها مما يتساهل في نقله عند المحدثين ومما يعتمد عليه وفق مناهج النقد التاريخي التي لا تشترط الإسناد وصحته، ولا يعقل إهمال هذه الأخبار في الدراسات التاريخية إلا إذا تعلقت بالعقيدة أو الشريعة فإنه لا يعتمد في ذلك إلا على الروايات الصحيحة والحسنة التي تنهض للاحتجاج بها، وقد ورد في تفاصيل خبر حصار بني قينقاع أنهم كانوا حلفاء عبد الله بن أبي بن سلول وكانوا أشجع اليهود وكانوا صاغة، فلما أظهروا صريح العداء والبغضاء وخاف النبي صلى الله عليه وسلم خيانتهم، استخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر وعقد لواء أبيض حمله حمزة بن عبد المطلب وحاصرهم خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة فاشتد عليهم الحصار ونزلوا على حكم الرسول، على أن له أموالهم، وأن لهم النساء والذرية، فأمر بهم فكتفوا ثم كلّمه فيهم حليفهم عبد الله بن أبي بن سلول وألحّ في ذلك قائلًا:"أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع منعوني من الأحمر والأسود وتحصدهم"
(1) الطبري: التاريخ 2/ 479 - 480.
والواقدي: المغازي 1/ 176.
وابن سعد: الطبقات الكبرى 2/ 28 - 29.
(2) ابن هشام: السيرة 294 وأبو داود: السنن 3/ 402 - 403.
(3) فتح الباري 7/ 332.
(4) التقريب 2/ 205.
(5) راجع مبحث"إعلان دستور المدينة".
(6) ابن هشام: السيرة 2/ 561 والواقدي: المغازي 1/ 176 - 177.
وابن كثير: البداية والنهاية 4/ 3 - 4 وابن سيد الناس: عيون الأثر 1/ 295.
(7) البخاري: الصحيح 3/ 11.