الله عليه وسلم مكة عام الفتح قام في الناس خطيبًا فقال:"يا أيها الناس إنه ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة ولا حلف في الإسلام" [1] .
ويبرز في البند رقم (14) استعلاء المؤمنين على الكافرين:"لا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن"فهذا دليل على أن دم الكافر لا يكافئ دم المؤمن؛ وتأكيد على الترابط الوثيق بين المؤمنين وموالاتهم لبعضهم، وقطع صلات الود والولاء القديمة مع الكفار.
ويقرر البند رقم (17) :"إن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم"فمسؤولية إعلان الحرب والسلم لا يقرره الأفراد بل النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا أعلن الحرب فإن سائر المؤمنين يصبحون في حالة حرب مع الخصم ولا يمكن لفرد منهم مهادنته لأنه مرتبط بالسياسة العامة للمؤمنين [2] . كما أن عبء الحرب لا يقع على عشيرة دون أخرى بل إن الجهاد فرض على جميع المؤمنين وهم يتناوبون الخروج في السرايا والغزوات"وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضًا"بند رقم (18) [3] .
وقد أقر البند رقم (15) مبدأ الجوار الذي كان معروفًا قبل الإسلام، وجعل من حق كل مسلم أن يجير، وأن لا يخفر جواره، كما حصر الموالاة بين المؤمنين، والموالاة تقتضي المحبة والنصرة فلا يجوز لمؤمن أن يوالي كافرًا:"والمؤمنون بعضهم أولياء بعض"(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [4] . (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [5] .
لكن البند رقم (21) يمنع من بقي على الشرك من الأوس والخزرج من إجارة قريش وتجارتها أو الوقوف أما تصدي المسلمين لها، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مصممًا على المضي في سياسة التعرض لتجارة قريش، ولا شك أن المسلمين من الأوس والخزرج وهم الأكثرية الغالبة في عشائرهم هم الذين سيتكفلون بتطبيق هذه المادة بالنسبة للمشركين من أفراد عشائرهم. إن هذا الالتزام سبق أن أخذ تعهد اليهود به أيضًا عند موادعتهم وإن تكرر النص في الوثيقة يؤيد اعتبار الوثيقة تأليفًا بين وثيقتين منفصلتين كما سبق.
ولا مانع من أن ينص في وثيقة الحلف بين المهاجرين والأنصار على معاملة اليهود المحالفين للمسلمين بالمعروف والعدل وعدم التحريض عليهم وإيذائهم، رغم عدم وجود اليهود عند صياغة النصوص، بل إن ذلك يعبر عن ثبات القيم الأخلاقية في السياسة الإسلامية وإنها لا تعرف المخاتلة ولا الطعن من الخلف (بند رقم 16) .
وفي ختام بنود الوثيقة المتعلقة بالتحالف بين المهاجرين والأنصار يقرر البند رقم (23) أن النبي صلى الله عليه وسلم هو المرجع الوحيد في كل خلاف يقع بين المسلمين في المدينة:"وإنه مهما اختلفتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله وإلى محمد صلى الله عليه وسلم".
نقض يهود المدينة للمعاهدة وإجلاؤهم عنها
لم يلتزم اليهود بالمعاهدة التي أبرمها الرسول صلى الله عليه وسلم معهم بل سرعان ما نقضوها ولم يكتفوا بعدم الوفاء بالتزاماتهم التي حددتها بل وقفوا مواقف عدائية أيضًا، فكان ذلك سبب إجلائهم عن المدينة المنورة، وفيما يلي بيان لأحداث جلائهم وأسبابه الممهدة والمباشرة.
إجلاء بني قينقاع [6] تاريخ الغزوة:
يتفق المؤرخون على أنها وقعت بعد غزوة بدر الكبرى، وقد حدد الزهري تاريخها فذكر أنها كانت في
(1) رواه أحمد: المسند 1/ 180 و 2/ 215 ورواه الترمذي وقال (هذا حديث حسن صحيح) انظر صحيح الترمذي بشرح ابن العربي المالكي 7/ 83.
(2) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية للقسطلاني 4/ 168.
(3) ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث 3/ 267. وشرح الزرقاني على المواهب اللدنية للقسطلاني 4/ 168. وابن منظور: لسان العرب مادة (عقب) .
(4) سورة المائدة من الآية 51.
(5) سورة آل عمران: من الآية 28.
(6) أفدت في حصر الروايات وانتفاء الصحيح منها في هذا المبحث من رسالة أعدها بإشرافي الشيخ أكرم حسين على بعنوان (مرويات يهود المدينة) لنيل درجة الماجستير من قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية، وهي رسالة نافعة حبذا لو نشرت.
الطبري: التاريخ 2/ 479 - 480 والواقدي: المغازي 1/ 176.
وابن سعد: الطبقات الكبرى 2/ 28 - 29.