ذلك يرفع عبئًا كبيرًا عن كاهل الدولة تنوء به الدول الحديثة.
وهكذا فإن إقرار الروابط العشائرية قصد به الاستفادة منها في التكافل الاجتماعي، ولكن لا تناصر في الظلم ولا عصبية وبذلك حوّل الإسلام وجهة الروابط القبلية واستفاد منها بتكييفها وفق أهدافه العليا.
إن التكافل الاجتماعي يحتم على العشيرة أن تعين أفرادها، ومن ذلك إذا قتل فرد منها أحدًا خطأ، فإنها تدفع دية القتل بالتضامن بين أفرادها، وقد كان ذلك متعارفًا عليه في الجاهلية فأقرته الوثيقة لما فيه من التعاون:"على ربعتهم يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى"أي على شأنهم وعادتهم من أحكام الديات [1] . وكذلك تعين العشيرة الأسرى من أفرادها بمفاداتهم بالمال."وهم يفدون عانيهم - أي الأسير - بالمعروف"كما أكدت الوثيقة على المسؤولية الجماعية، واعتبرت سائر المؤمنين مسؤولين عن تحقيق العدل والأمن في مجتمع المدينة. إن أهمية ذلك كبيرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشكل قوة منظمة كالشرطة لتعقب الجناه ومعاقبتهم.
ونظرًا لكون الحدود على الجرائم مصدرها الله تعالى لذلك فإن السعي إلى تطبيقها واجب ديني على المؤمنين، وهذا يكسب الأحكام قدسية ويعطيها قوة كبيرة، ويمنع ما ينشأ في نفوس بعض الناس من الرغبة في تحديها والخروج عليها كما يحدث في ظل القوانين الوضعية. إن اهتمام الوثيقة بإبراز دور المؤمنين يتضح من البند رقم (13) والبند رقم (21) حيث ينص البند رقم (13) :"وإن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثمًا أو عدوانًا أو فسادًا بين المؤمنين، وإن أيدهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم"فهي تعتمد على المؤمنين على المؤمنين في الأخذ على يد البغاة والمعتدين والمفسدين والمرتشين [2] ، ومعنى (دسيعة ظلم) أي طلب عطية من دون حق [3] . وتخصيص المتقين بتحمل المسؤولية لأنهم أحرص من سواهم على تنفيذ الشريعة لكمال إيمانهم ولأن من اتصف بأصل الإيمان قد يرتكب الحرام فيبغي ويخالف الحدود فيمنع من ذلك [4] .
أما البند رقم (21) فنصه:"ومن اعتبط مؤمنًا قتلًا عن بينة فإنه قود به"أي أن من قتل بلا جناية كانت منه ولا جريرة توجب قتله فإن القاتل يقاد به ويقتل إلا إذا اختار أهل القتيل أخذ الدية بدل القصاص أو وقع منهم العفو" [5] ، وسواء اختار أهله القتل أو الدية فإن المؤمنين كافة - بضمنهم أهل القاتل - يتعاونون في تطبيق الحكم عليه وعدم حمايته مهما بلغت درجة قرابته لهم إذ:"لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثًا أو يؤويه، وإن من نصره أو آواه، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل". والمحدث كل من أتى حدًا من حدود الله عزوجل، فليس لأحد منه من إقامة الحد عليه، ومن آواه فإن الله يلعنه ويغضب عليه ولا يقبل منه التوبة عن فعلته في نصرة المجرمين ولا يقبل منه فدية لذلك [6] ."
ويقتضي التكافل الاجتماعي بين المؤمنين أن يعينوا المفرح منهم (أي الذي أثقله الدين) [7] . إن كان أسيرًا بفدائه وإن كان جنى جناية عن خطأ دفعوا الدية عنه كما ينص البند رقم (12) وقد ذهب ابن سعد إلى أن المفرح هو من يكون في القوم لا يعرف له مولى [8] . ومن الواضح أن صلة الولاء يترتب عليها العون والمساعدة في الديات وغيرها. فمن لم يكن له عشيرة ينتسب إليها صليبة أو ولاء فإن المؤمنين جميعًا أولياؤه وعليهم مساعدته، فإذا جنى جناية كانت جنايته على بيت المال لأنه لا عاقلة له [9] .
لقد أقر البند (12 ب) فكرة الحلف ولكنه لم يسمح بالتجاوز على حقوق الولاء التي للسيد على المعتقين من مواليه، فلا يجوز لأحد محالفتهم دون إذن سيدهم، ويتضح من حديث شريف أن الإسلام إنما أقر استمرار الأحلاف القديمة لكنه منع استحداث أحلاف جديدة ونص الحديث:"لما دخل رسول الله صلى"
(1) أبو عبيد: الأموال ص 294. وابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر 3/ 279. وانظر شرح الزرقاني المالكي على المواهب اللدنية للقسطلاني 4/ 168. وابن منظور: لسان العرب مادة (عقل) .
(2) أبو عبيد: الأموال ص 294. وشرح الزرقاني على المواهب اللدنية للقسطلاني 4/ 168.
(3) ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر 2/ 117. وشرح الزرقاني على المواهب اللدنية 4/ 168. وابن منظور: لسان العرب مادة (دسع) .
(4) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية للقسطلاني 4/ 168.
(5) ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر 3/ 424. وشرح الزرقاني على المواهب اللدنية للقسطلاني 4/ 168 - 169. والشوكاني: نيل الأوطار 7/ 61.
(6) أبو عبيد: الأموال ص 296.
(7) ابن هشام: السيرة النبوية 1/ 502. أبو عبيد: الأموال ص 294. وابن الأثير: النهاية 3/ 424. وابن منظور: لسان العرب مادة (فرح) .
(8) ابن سعد: الطبقات الكبرى 1/ 486.
(9) ابن منظور: لسان العرب مادة (فرح) .