فهرس الكتاب
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄

  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
الصفحة 42 من 64

(فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [1] . ولا شك أن احتكامهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان متأخرًا بعد ضعفهم، كما أن سورة المائدة متأخرة النزول.

كما أن المعاهدة امتدت بموجب البند رقم (45) لتشمل حلفاء المسلمين وحلفاء اليهود من القبائل الأخرى، إذ شرطت المادة على كل طرف مصالحة حلفاء الطرف الآخر لكن المسلمين استثنوا قريشًا"إلا من حارب في الدين"لأنهم كانوا في حالة حرب معهم.

وقد اعتبرت منطقة المدينة حرمًا بموجب البند رقم (39) "وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة"والحرم هو ما لا يحل انتهاكه، فلا يقتل صيده ولا يقطع شجره، وحرم المدينة بين الحرة الشرقية والحرة الغربية وبين جبل (ثور) في الشمال وجبل عير في الجنوب، ويدخل وادي العقيق في الحرم [2] وبذلك أحلت هذه المادة الأمن داخل المدينة ومنعت الحروب الداخلية.

وثيقة الحلف بين المهاجرين والأنصار:

تبدأ الوثيقة التي كتبت بين المهاجرين والأنصار ببيان الأطراف المتحالفة بين"المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، والتميز بين المؤمنين والمسلمين واضح لأن المعروف أن المؤمن هو من آمن إقرارًا باللسان وتصديقًا بالقلب، والمسلم هو من خضع لأحكام الإسلام وأدى فرائضه، ويتميز الصنفان في أهل يثرب فقط لظهور النفاق فيهم بعد غزوة بدر الكبرى، أما المهاجرون فليس فيهم مسلم إلا وهو مؤمن مصدق بقلبه."

ويقرر البند رقم (1) "إنهم أمة واحدة من دون الناس"أمة تربط أفرادها رابطة العقيدة وليس الدم، فيتحد شعورهم وتتحد أفكارهم وتتحد قبلتهم ووجهتهم، ولاؤهم لله وليس للقبيلة، واحتكامهم للشرع وليس للعرف، وهم يتمايزون بذلك كله على بقية الناس"من دون الناس"فهذه الروابط تقتصر على المسلمين ولا تشمل غيرهم من اليهود والحلفاء، ولا شك أن تميز الجماعة الدينية كان أمرًا مقصودًا يستهدف زيادة تماسكها واعتزازها بذاتها، يتضح ذلك في تمييزها بالقبلة واتجاهها إلى الكعبة بعد أن اتجهت ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا إلى بيت المقدس [3] وقد مضى النبي صلى الله عليه وسلم يميز أتباعه عمن سواهم في أمور كثيرة ويوضح لهم أنه يقصد بذلك مخالفة اليهود، من ذلك: أن اليهود لا يصلون بالخف فأذن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه أن يصلوا بالخف، واليهود لا تصبغ الشيب فصبغ المسلمون شيب رأسهم بالحناء والكتم. واليهود تصوم عاشوراء والنبي صلى الله عليه وسلم يصومه أيضًا ثم اعتزم أواخر حياته أن يصوم تاسوعاء معه مخالفة لهم. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم وضع للمسلمين مبدأ مخالفة غيرهم والتميز عليهم فقال:"ومن تشبه بقوم فهو منهم"وقال:"لا تشبهوا باليهود"والأحاديث في ذلك كثيرة وهي تفيد معنى تميّز المسلمين واستعلائهم على غيرهم، ولا ريب أن التشبه والمحاكاة للآخرين يتنافى مع الاعتزاز بالذات والاستعلاء على الكفار [4] ولكن هذا التميز والاستعلاء لا يشكل حاجزًا بين المسلمين وغيرهم، فكيان الجماعة الإسلامية مفتوح وقابل للتوسع ويستطيع الانضمام إليه من يقبل (ايديولوجيته) .

وقد ذكرت البنود من (3) إلى (11) الكيانات العشائرية، واعتبرت المهاجرين كتلة واحدة لقلة عددهم، أما الأنصار فنسبتهم إلى عشائرهم، وذكر العشائر لا يعني اعتبارها الأساس الأول للارتباط بين الناس، ولا يعني الإبقاء على العصبية القبلية والعشائرية فقد حرم الإسلام ذلك:"ليس منا من دعا إلى عصبية"وإنما للاستفادة منها في التكافل الاجتماعي، وجعل الإسلام العقيدة هي الأصل الأول الذي يربط بين أتباعه لكنه اعترف بارتباطات أخرى تندرج تحت رابطة العقيدة وتخدم المجتمع وتساهم في بناء التكافل الاجتماعي بين أبنائه، مثل الارتباطات الخاصة بين: أفراد الأسرة الواحدة وما يترتب عليها من حقوق وواجبات على الآباء والأبناء والأمهات وأفراد العشيرة الواحدة وما يترتب عليهم من حقوق وواجبات كالتضامن في دفع الديات وفكاك الأسرى وإعانة المحتاج منهم؛ وأفراد المحلة الواحدة:"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه". وأفراد القرية الواحدة:"أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعًا فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى"؛ وأبناء المدينة الواحدة فلا تخرج زكاة أموالهم من مدينتهم إلا بعد استيفاء حاجات أبنائها .. وهكذا رتب الإسلام على الوحدات الاجتماعية الصغيرة القيام بمهام التكافل الاجتماعي وبذلك سد ثغرات كبيرة، وتأتي الدولة في نهاية المطاف فتسد ما تبقى من ثغرات مما عجز عنه الأفراد .. ولا شك أن

(1) سورة المائدة من الآية 42 وانظر عزة دروزة: سيرة الرسول 2/ 148.

(2) انظر محمد حميد الله: الوثائق السياسية ص 441 - 442 والنووي: صحيح مسلم بشرح النووي 9/ 136.

(3) خليفة: التاريخ 23 - 24 وسيرة ابن هشام 1/ 550.

(4) يعطي ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم فكرة واضحة عن هذا المعنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت