فهرس الكتاب
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄

  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
الصفحة 4 من 64

4 -رفض منطق"التبرير"كأساس لتفسير تاريخ صدر الإسلام. إن هذا المنطق أثر للقهر النفسي والفكري الذي أحدثه الغزو الفكري في عقولنا ومن ذلك الأسلوب الاعتذاري الذي يستخدمه بعض المؤرخين المسلمين المعاصرين في الكلام عن الجهاد في الإسلام وحركة الفتوح الإسلامية واعتبارها دفاعا عن حدود شبه جزيرة العرب أمام تحركات الفرس والروم، بل إن غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم لم تسلم من هذا الأسلوب التبريري وجعلها دفاعا عن دولة المدينة المنورة (دراسة العلامة محمد شلبي النعماني عن السيرة مثلا فهو على فضله وقع في هذا الخطأ) . بل إن بعض المؤرخين المسلمين ذهب إلى نفي روايات صحيحة عندما عجز عن التبرير الذي يريده، فقد نفى أحد الكتاب روايات ابن إسحاق حول قتل مقاتلة بني قريظة، وهي ثابتة في كتب الحديث والسيرة والتاريخ. وكأنه يشك في عدالة قتلهم، فالتفسير الإسلامي إذًا ليس دفاعيًا تبريريًا بل ينطلق من اعتقاد أن الإسلام حق وما عداه باطل، وإن ما شرعه الإسلام من الجهاد وغيره حق لا يحتاج إلى اعتذار أو تبرير، حتى لو بدا ذلك غريبا أمام الذهنية المهيمنة على الناس في القرن العشرين، لأننا لا نطوع"الإسلام وتاريخه"لأذواق الناس واتجاهاتهم الفكرية في"عصر معين"، فما يحبذه الناس في عصر قد ينكرونه في عصر آخر، وما يحسبه أبناء بلدة حسنًا يراه سواهم منكرًا، والحكم لله ولشرعه وليس لأذواق الناس وأهوائهم والله غالب على أمره.

5 -استعمال المصطلحات الشرعية في الكتابة التاريخية: إن استعمال المصطلحات الشرعية ضروري عند كتابة التاريخ الإسلامي من خلال التصور الإسلامي النابع من القرآن الكريم والسنة المطهرة، لأن هذه المصطلحات ذات دلالة واضحة ومحددة ولأنها معايير شرعية لها قيمتها في وزن الأشخاص والأحداث. والقرآن الكريم قسم الناس إلى"المؤمن"و"الكافر"و"المنافق"ولكل من الثلاثة صفات محددة ثابتة ودقيقة لا تقبل التلاعب فيها. فما ينبغي أن نحيد عن هذا التقسيم إلى مصطلحات نبتت في أوساط غير إسلامية كوصف الإنسان بأنه"يميني"أو"يساري"أو غير ذلك من النعوت غير الشرعية والتي ليست محددة بصورة دقيقة ثابتة. وكذلك فإن الحكم على الأعمال والمنجزات الحضارية ينبغي أن تستخدم فيه المصطلحات الشرعية وهي"الخير"و"الشر"و"الحق"و"الباطل"و"العدل"و"الظلم"كما حددها الشرع ولا تستخدم معايير الفكر الغربي"كالتقدمية والرجعية".

لقد انجرَّ بعض الكتاب المسلمين إلى استخدام مصطلحات وألفاظ ليست في"القاموس الإسلامي"وفي ذلك يكمن خطر الذوبان في الفكر الجاهلي والضياع وسط مصطلحاته الكثيرة التي تفقدنا ذاتيتنا المستقلة.

إن استعمال المصطلحات الشرعية عند إعادة صياغة التاريخ الإسلامي ضروري جدًا للحفاظ على استقلال التصور والمنهج الإسلامي وإبراز هويته بالإضافة إلى أن المصطلحات الشرعية أوضح وأدق من المصطلحات الغربية.

والآن ما هو المقصود بالبحث في التاريخ الإسلامي وفق مناهج المحدثين؟.

المقصود أن للمحدثين مناهج وطرقًا في نقد الأحاديث ومعرفة الصحيح من الضعيف، والمطلوب تطبيق هذه المناهج في نقد الروايات التاريخية المتعلقة بتاريخ صدر الإسلام، لأن هذه الروايات التاريخية تشبه الأحاديث من حيث وجود الأسانيد التي تتقدم المتون مما يمكن الناقد من معرفة الرواة المتعاقبين الذين نقلوا الخبر أو الرواية خلفًا عن سلف. وتستمد المعلومات عن الرواة من كتب علم الرجال التي تختص ببيان أحوال الرواة، فمثلا شرط الصحيح من الحديث هو أن يرويه العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة، فشرط الرواية التاريخية الصحيحة أن كل رواتها المتعاقبين إلى - شاهد العيان - متدينون تدينا صحيحًا وعندهم ملكة الحفظ والتي تمنع وقوعهم في الأوهام والتخليط وتؤدي إلى ضبطهم للرواية سواء في صدورهم أو كتبهم، يضاف إلى ذلك أن تكون الرواية متفقة مع الروايات الأخرى التي يرويها رواة يتمتعون بتوثيق أكثر، أما إذا خالفتها فهي شاذة مرجوحة، وكذلك أن لا يكون في الرواية التاريخية علة خفية قادحة بصحتها كالتدليس الخفي أو الإرسال الخفي أو الاضطراب في معلومات المتن. وإذا كانت الروايات التاريخية لا ترقى إلى درجة الصحة الحديثية وفق الشروط المتقدمة، فإنه ينظر إلى تعدد طرقها بجمع ما يتعلق بالمسألة التاريخية الواحدة والنظر في اتفاقها أو اختلافها، فإن تعددت مخارج الرواية الواحدة، فإنها تقوى خاصة عند استحالة اجتماع الرواة الذين رووها واتفاقهم على الكذب.

ولكن ينبغي ملاحظة منهج المحدثين عند التعامل مع الرواية التاريخية، فهم يتساهلون في رواية الأخبار التاريخية، كما نلاحظ عند ثقات المؤرخين مثل محمد بن إسحاق وخليفة بن خياط والطبري حيث يكثرون من الأخبار المرسلة والمنقطعة. كما أن الطبري يكثر النقل عن رواة في غاية الضعف مثل هشام بن الكلبي وسيف بن عمر التميمي ونصر ابن مزاحم وغيرهم.

ولا شك أن عدم تمحيص المؤرخين للأخبار كما فعلوا في الحديث، واكتفاؤهم بإلقاء العهدة على الرواة المذكورين في أسانيد الروايات ألقى عبئًا كبيرًا على"المؤرخ المعاصر المسلم"لأنه يحتاج إلى بذل جهد ضخم للوصول إلى الروايات الصحيحة بعد فهم وتطبيق منهج المحدثين، وهو أمر لم يعد سهلا ميسورًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت