فهرس الكتاب
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄

  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
الصفحة 3 من 64

سعتها، و من جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه، لندعوهم إليه"، إن ما قاله ربعي بن عامر ممثل المسلمين للفرس لم يكن يعبر عن شعور فردي، وإنما كان يمثل الفكرة المهيمنة على قيادة المسلمين ومعظمهم جندها المجاهدين، ولا يمنع هذا القول من مشاركة بعض الأعراب في الجهاد ممن تحفزهم العوامل المادية إلى جانب الرغبة في الجهاد، لكن هؤلاء لا يمثلون قيادة الحركة ولا روحها الموجهة، وإنما أقرر ذلك لأن المجتمع المسلم مجتمع بشري فيه الصفوة الخيرة التي تلتزم المثل العليا وتخلص النية لله وتجعل كل همها كسب رضاه، وفيه طبقات دونها تأخذ نفسها بالحد الأدنى الذي يحقق لها صفة الإسلام."

وينبغي أن يتقرر بوضوح كامل أن تفسير حركة التاريخ الإسلامي في صدر الإسلام لا يمكن أن يقوم به إلا المسلم الذي يردد كل يوم قول الحق تعالى لنبيه (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْت [1] . والذي تفاعل قلبه وشعوره مع القرآن والسنة وأحسَّ بأثرهما في صياغة شخصيته وتحديد دوافع سلوكه. ومن هنا جاءت التفسير الغربية والإستشراقية قاصرة عن فهم دوافع السلوك عند المسلين في صدر الإسلام، فمثلا عندما يعرض المستشرق الأب(لامانس) لحادثة سقيفة بني ساعدة - وهي سابقة رائعة لتطبيق الشورى الإسلامية، حيث اقتنعت الأكثرية برأي الأقلية - فإن صور المؤامرات في البلاط الفرنسي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر تشوه رؤيته لأحداث السقيفة، فيطلع علينا بصورة مشوهة عندما يقرر تآمر أبي بكر وعمر وعثمان (رضي الله عنهم) واتفاقهم على انتزاع الخلافة والتعاقب عليها فيما بينهم في سقيفة بني ساعدة.

إن الدراسات الاستشراقية وهي كثيرة جدا ومتباينة من حيث المستوى والدقة العلمية والبعد عن التعصب الديني والقومي، لكنها على العموم تصدر عن مفكرين عاشوا في بيئة بعيدة عن الإسلام لها حضارتها وفلسفاتها ومقاييسها وأذواقها، فيصعب عليهم تذوق الإسلام وبالتالي يتعذر عليهم فهم دوافع سلوك المسلم في حركته الفردية والجماعية، وهم يقيسون على التاريخ الأوربي في تفسيرهم لحركة التاريخ الإسلامي رغم اختلاف طبيعة التاريخين، ولا نغفل عن كون الأوروبيين عموما ينظرون إلى العلم من خلال موقفهم المتفوق عسكريا وتكنولوجيا، فهم ينسبون كل مأثرة لأنفسهم وكل منقصة لسواهم. وعندما أرّخ توينبي لحضارات العالم أعطى الحضارة الإسلامية مساحة ضيقة لا تتناسب مع حجمها ودورها الحقيقي في التاريخ العالمي.

إن أعظم قصور يواجه الدراسات الاستشراقية هو عجزها عن التصور السليم للإسلام وروحه وأثره في المجتمع الإسلامي وحركته التاريخية، وهو قصور كبير يمنع إمكان الاعتماد على هذه الدراسات خاصة في عصر السيرة والراشدين حيث تتطابق النظرية الإسلامية مع الواقع التاريخي.

3 -تقويم الحضارة يرتبط بمدى ملاءمتها لعبادة الله: إن المؤرِّخ المسلم لا يحكم على المستوى الذي تبلغه أية حضارة من خلال منجزاتها المادية فقط، وإنما ينظر إلى مدى تحقيقها للهدف الأساسي الذي وضعه"الخالق"عزوجل ل"خلقه"، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} . فالحضارة الإسلامية في نظر المسلم هي التي تهيئ الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمادية الملائمة لتوجه الإنسان نحو توحيد الله وإفراده بالعبودية والتزام تعاليمه في كل ألوان النشاط الذي يمارسه، دون أن تعيقه المؤسسات والأجهزة القائمة في المجتمع أو توقعه في التناقض بين"عقيدته"و"سلوكه"ودون أن تضغط عليه لتحرفه عن التزامه أمام رب العالمين. لذلك مهما تقدمت الحضارة في العلوم والمعارف والآداب والفنون، ومهما تفننت في ريازة الدور والقصور وفي الأثاث واللباس والطعام .. وفي تيسير الحياة المادية الرخية للإنسان، أقول مهما وصلت الحضارة في التقدم المادي فإنها تبقى في نظر المؤرخ المسلم"متخلفة"و"قاصرة"ما دامت لا تهيئ الظروف الملائمة لعبادة الله والوفاء بالالتزام بشرعه. والحضارة الإسلامية نفسها مرت بمراحل تاريخية مختلفة .. ولاشك أن التضخم في منجزاتها المادية لم يكن في صدر الإسلام بل كان في القرنين الثالث والرابع الهجريين، لذلك فإن المؤرخ الغربي آدم ميتز يرى أن عصر صدر الإسلام يمثل أوج الحضارة لأنه أكثر ملائمة لعبادة الله وتوحيده، وسلوك المسلمين في صدر الإسلام أكثر التزاما بتعاليم الشريعة من سلوك المسلمين في القرن الرابع الهجري، وهذا ما أشار إليه الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم في حديثه:"خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم".

إن هذا المنطق والتصور يبدوان غريبين بالنسبة للمؤرخين غير المسلمين لأنهم يخضعون في مقاييسهم لقيم الحضارة الغربية، أما المؤرخ المسلم فإن الأمر يبدو بدهيا أمامه لأنه تمكن من تمزيق طوق القيم والمقاييس والتصورات المنبثقة عن الحضارة المادية الغربية ولم يتم ذلك إلا بعد الوعي الإسلامي الذي ظهرت آثاره في العالم الإسلامي المعاصر .. ومن آثاره التفلت من كماشة الحضارة الغربية والاستعلاء بالإيمان والإسلام عليها والشعور بالذات والاستقلال الروحي والفكري .. وهو أمر يمثل الخطوة الصحيحة على طريق الحضارة إن شاء الله.

(1) الأنعام آية 162 - 163.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت