كما كان بالنسبة لخليفة بن خياط أو الطبري بسبب تضلعهم في مناهج المحدثين وطريق سبرهم للروايات وتمييزها، وعلى أية حال فنحن لا نبخس قدامى المؤرخين حقهم وفضلهم فقد جمعوا لنا المادة الأولية بالأسانيد التي تمكننا من الحكم عليها ولو بعد جهد وعناء.
والآن ماذا بعد سبر الروايات وتمييز صحيحها من سقيمها؟.
المطلوب اعتماد الروايات الصحيحة وتقديمها ثم الحسنة ثم ما يعتضد من الضعيف لبناء الصورة التاريخية لأحداث المجتمع الإسلامي في عصر صدر الإسلام ... وعند التعارض يقدم الأقوى دائمًا .. أما الروايات الضعيفة التي لا تقوى أو تعضد فيمكن الإفادة منها في إكمال الفراغ الذي لا تسده الروايات الصحيحة والحسنة على أن لا تتعلق بجانب عقدي أو شرعي، لأن القاعدة"التشدد فيما يتعلق بالعقيدة أو الشريعة"، ولا يخفى أن عصر السيرة النبوية والخلافة الراشدة مليء بالسوابق الفقهية، والخلفاء الراشدون كانوا يجتهدون في تسيير دقة الحياة وفق تعاليم الإسلام، فهم موضع اقتداء ومتابعة فيما استنبطوا من أحكام ونظم لأقضية استجدت بعد توسع الدولة الإسلامية على أثر الفتوح.
أما الروايات التاريخية المتعلقة بالعمران كتخطيط المدن وريازة الأبنية وشق الترع .. أو المتعلقة بوصف ميادين القتال وأخبار المجاهدين الدالة على شجاعتهم وتضحيتهم فلا بأس من التساهل فيها.
وما دمنا قد قبلنا هذا"المبدأ"فإنه يمكن الإفادة بصورة واسعة من كتب الحديث في دراسة عصر السيرة النبوية والخلافة الراشدة، لأن كتب الحديث خُدمت أكثر من كتب السيرة والتاريخ من قبل النقاد، فمثلًا قد تميز صحيحا البخاري ومسلم وعرف أن كل ما فيهما صحيح بعد الدراسات النقدية التي قام بها حفاظ كبار قدامى ودارسون معاصرون، وحتى الأحرف اليسيرة المنتقدة فيهما صمدت أمام النقد لأن أصولها معروفة ولم ينفرد بها البخاري ومسلم. وما دام الأمر كذلك فيمكن إذا اعتماد ما أورده البخاري ومسلم من روايات تتعلق بالسيرة والراشدين، ثم النظر في روايات السنن الأربعة وموطأ مالك التي لقيت سبرًا وتمحيصًا أيضًا رغم أنها لا ترقى إلى درجة الصحيحين ولا تخلو من الضعيف.
إن كتب الحديث تحوي قدرًا كبيرًا من أخبار السيرة وإن كانت لا تغطي كل أحداثها، ومن هنا تبرز أهمية النقد الحديثي لروايات كتب السيرة والتاريخ ... فكبار المحدثين أمثال الحافظ ابن سيد الناس في كتابه (عيون الأثر في المغازي والشمائل والسير) والحافظ الذهبي في كتابه (تاريخ الإسلام) عندما كتبا السيرة النبوية اعتمدا على الكتب الستة (البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة) لكنهما لم يتمكنا من الاستغناء عن كتب السيرة والتاريخ.
ولا بد هنا من إيضاح حقيقة هامة قد يؤدي إغفالها إلى شكنا في صحة تصورنا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحة معلوماتنا عن الخلفاء الراشدين المهديين. وهذه الحقيقة هي أن كتب الحديث تدعم ما أوردته كتب السيرة والتاريخ في معظم الجوانب المتعلقة بالسيرة، وخاصة سيرتي محمد بن إسحاق بن يسار (ت 151 ه) وموسى بن عقبة (ت 140 ه) والأولى وصلت إلينا بعنوان (سيرة ابن هشام) الذي قام بتهذيبها .. وقد خصصتُ (سيرة ابن إسحاق) لأن السيرة التي تقابلها هي (مغازي الواقدي) الذي رماه المحدثون بالوضع وضعفوه رغم تصريحهم بغزارة مادته في السيرة .. والحق أن الدراسة لمغازي الواقدي تكشف عن صحة ما يقوله المحدثون فكثير من الرواة الذين يسوق الواقدي الروايات بواسطتهم لا نجد لهم تراجم في كتب علم الرجال.
وهناك اتجاه خاطئ عند بعض المستشرقين تابعهم فيه بعض مؤرخينا يُعلي من شأن مغازي الواقدي ويقدمها على سيرة ابن هشام ... والحق أن سيرة ابن إسحاق أدق وأوثق وتتطابق معلوماتها مع معلومات كتب الحديث في كثير من الجوانب. إن الفرق بين كتب الحديث وكتب السيرة يتمثل في كون كتب السيرة تسوق كثيرًا من الروايات بأسانيد مرسلة ومنقطعة، وتوجد هذه الروايات في كتب الحديث متصلة مسندة مما يوثق معلومات كتب السيرة. ولكن لاشك أنه ستتم بعض الإضافات والتعديلات إذا اعتمدنا على كتب الحديث إلى جانب كتب السيرة والتاريخ، وإذا طبقنا قواعد النقد الحديثية"على الرواية التاريخية". وفيما يلي بعض النتائج التي سنحصل بسبب تطبيق هذا المنهج، والتي اتضحت لي من دراساتي الخاصة بهذا الموضوع.
1 -زيادة اليقين بصحة معلوماتنا عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والتي تقدمها كتب السيرة المعتمدة وخاصة (سيرة ابن إسحاق) .
وهذا من رحمة الله بعباده أن حفظ لهم سيرة نبيه ليتمكنوا من الاقتداء به.
2 -إضافة معلومات تكمل جوانب حياة الرسول صلى الله عليه وسلم الشاملة لأمور الدين والدنيا، وهذه الإضافات التي تقدمها كتب الحديث مهمة لأن كتب التاريخ والسيرة المختصة اقتصرت على المغازي دون تفاصيل النواحي الاجتماعية والاقتصادية والإدارية في عصر السيرة.
3 -توضيح بعض الجوانب التي اختلف فيها المؤرخون والمحدثون، مثلًا"غزوة بني المصطلق"يذكر البخاري في صحيحه أن الرسول صلى الله عليه وسلم داهمهم على غرة أما كتب السيرة فتذكر أنه