فيما بعد بالسيف وفيه الصحيفة وقد سئل علي (رض) عما في الصحيفة مرة من قبل أبي جحيفة [1] وثانية من قبل الاشتر [2] فذكر بعض ما فيها لسائليه إما بالمعنى أو نصًا كما أنه ذكر محتواها مجملًا في إحدى خطبه [3] .
ومن ذلك قوله: ما كتبنا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا القرآن وما في هذه الصحيفة، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"المدينة حرام ما بين عائر إلى كذا فمن أحدث حدثًا وآوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه عدل ولا صرف، وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل. ومن والى قومًا بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه عدل ولا صرف" [4] . كما ذكر أن في الصحيفة أيضًا الجراحات وأسنان الإبل [5] وأضاف مرة"ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده" [6] كما ذكر أن فيها"العقل وفكاك الأسير أيضًا" [7] . وقد قرأ أصحاب علي (رض) في الصحيفة المذكورة أن إبراهيم حرم مكة وأني أحرم المدينة ما بين حرتيها وحماها كله لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشار بها ولا تقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره، ولا يحمل فيها السلاح لقتال [8] .
ومن الواضح أن هذه المقتطفات معظمها يطابق - نصًا - ما ورد في الوثيقة، كما أنها تغطي معظم بنود الوثيقة المتعلقة بالتزامات المسلمين من المهاجرين والأنصار تجاه بعضهم، ولكن ليس فيها إشارة إلى البنود المتعلقة بموادعة اليهود، مما يرجح أن الوثيقة في الأصل وثيقتان، وأن الصحيفة التي كانت معلقة بسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صارت عند علي (رض) هي نفس الكتاب بين المهاجرين والأنصار.
ومن الجدير بالذكر أن ثمة نصوص تطابق ما في"الصحيفة بين المهاجرين والأنصار"لكنها منسوبة إلى كتب أخرى كتبها النبي صلى الله عليه وسلم. مثل رواية عمرو بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. كتب إلى أهل اليمن كتابًا، وكان في كتابه"إن من اعتبط مؤمنًا قتلًا عن بينة فإنه قود، إلا أن يرضى أولياء المقتول" [9] وهذا الكتاب إنما أرسل متأخرًا عن وقت كتابة الوثيقة.
كما صرحت بعض الروايات بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة:"لا يقتل مؤمن بكافر" [10] لكن هذه النصوص التي حددت أزمانها بوقت متأخر عن الوقت الذي كتبت فيه الوثيقة لا تصلح دليلًا على أن الوثيقة هي مجموعة من الكتب التي دونت في أوقات متباينة ثم دمجت في الوثيقة [11] إذ لا مانع من أن يذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعض البنود الوثيقة في كتبه اللاحقة، وينبغي الانتباه إلى عدم ورود نصوص متعلقة باليهود في الصحيفة التي تناولت المعاقل مما يرجح أن وثيقة موادعة اليهود مستقلة عن الوثيقة بين المهاجرين والأنصار التي تناولت المعاقل. ويؤيد ذلك أيضًا حديث أنس بن مالك
(1) البخاري: الصحيح 9/ 14 والترمذي: صحيح 6/ 182 وابن ماجة: السنن 2/ 887 وأحمد: المسند 1/ 79.
(2) أحمد: المسند 1/ 119، 122.
(3) البخاري: الصحيح 2/ 296.
(4) البخاري: (الصحيح(ط ليدن) 2/ 298 - 299 وانظر 2/ 296 منه أيضًا وأبو داود: السنن 2/ 488 وأحمد: المسند 1/ 119، 122، 3/ 242.
(5) البخاري: الصحيح 2/ 296 وابن ماجة: السنن 2/ 887.
(6) أحمد: المسند: 1/ 119 وأخرجه أحمد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده"أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن لا يقتل مسلم بكافر" (المسند 2/ 178) وانظر عن طرق أخرى للحديث ابن ماجة: السنن 2/ 887 والبخاري: الصحيح 9/ 14، 16 (ط مصطفى البابي الحلبي) وصحيح الترمذي شرح ابن العربي 6/ 182.
(7) البخاري: صحيح 9/ 14 (ط مصطفى البابي الحلبي) وأحمد: المسند 1/ 79. وانظر الشوكاني: نيل الأوطار 7/ 10,
(8) أحمد: المسند 1/ 119. وانظر 4/ 141 منه.
وفي صحيح مسلم بشرح النووي 9/ 136 عن جابر قال النبي صلى الله عليه وسلم"إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها ..."وكان أهل المدينة في صدر الدولة الأموية يحتفظون بكتاب من أديم خولي فيه ينص النبي صلى الله عليه وسلم على حرمة المدينة (أحمد: المسند 4/ 141 والخطيب البغدادي: تقييد العلم ص 72) .
(9) الشوكاني: نيل الأوطار 7/ 61 وانظر مجموعة الوثائق السياسية 186 فهي توضح أن النص من كتابه صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لعمرو بن حزم عامله على اليمن.
(10) الشوكاني: نيل الأوطار 7/ 10.
(11) ذهب إلى هذا الرأي SARJEANT في مقاله THE CONSTITUTION OF MEDINA