لكن انقطاع أهل الصفة للعلم والعبادة لم يعزلهم عن المشاركة في أحداث المجتمع والإسهام في الجهاد، بل كان منهم الشهداء ببدر مثل صفوان بن بيضاء وزيد بن الخطاب وخريم بن فاتك الأسدي وخبيب بن يساف وسالم بن عمير وحارثة بن النعمان الأنصاري [1] ، ومنهم من استشهد بأحد مثل حنظلة الغسيل [2] ، ومنهم من شهد الحديبية مثل جرهد بن خويلد وأبو سريحة الغفاري [3] ، ومنهم من استشهد بخيبر مثل ثقف بن عمرو [4] ،ومن هم من استشهد بتبوك مثل عبد الله ذوالبجادين [5] ومنهم من استشهد باليمامة مثل سالم مولى أبي حذيفة وزيد بن الخطاب [6] ، نعم هكذا كانوا رهبانًا في الليل فرسانًا في النهار.
ملابسهم:
لم يكن لأهل الصفة من الملابس ما يقيهم من البرد أو يسترهم سترًا كاملًا، فليست عندهم أردية [7] . وما لأحد منهم ثوب تام [8] فكانوا يربطون في أعناقهم الأكسية أو البرد [9] ، أو يأتزرون بالأزر [10] ، أو الكساء، فمنهم من تغطي منهم ما يبلغ نصف الساقين وأحيانًا قد لا يبلغ الركبتين، وتذكر المصادر أنهم كانوا يلبسون الحَوْتِكية [11] وهي عمَّة يُتعمم بها [12] .
والخنف وهي برد شبه اليمانية تعمل من نوع غليظ من أردأ الكتان [13] ، وكانوا يخجلون من الظهور بملابسهم أحيانًا لأنها لا تسترهم سترًا كاملًا [14] ، وسرعان ما كانت تتسخ ملابسهم فجوانب الصفة مكشوفة للهواء والتراب حتى اتخذ العرق من جلودهم طوقًا من الوسخ والغبار [15] .
طعامهم:
كان جل طعامهم التمر، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يجري لكل رجلين منهم مدًا من تمر في كل يوم، وقد اشتكوا من أكل التمر وقالوا إنه أحرق بطونهم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستطع أن يوفر لهم طعامًا غيره فصبّرهم وواساهم [16] ، وكان كثيرًا ما يدعوهم إلى تناول الطعام في بيته، لكنه لم يتمكن من تقديم الطعام الجيد لهم فلم يكن يوسع على نفسه وأهله بالنفقة، ففي بعض المرات سقاهم لبنًا، ومرة أطعمهم جشيشة (طحين ولحم أو تمر مطبوخ) ومرة أخرى حيسة (طعام من التمر والدقيق والسمن) وثالثة شعير محمص، لكنهم نالوا في إحدى المرات الثريد [17] ، وكان عليه الصلاة والسلام يعتذر إليهم إذا لم يكن الطعام جيدًا، فقد قدم لهم مرة صفحة فيها صنيع من شعير، وقال:"والذي نفس محمد بيده ما أمسى في آل محمد طعام ليس شيئًا ترونه" [18] .
(1) انظر عنهم على التعاقب الحلية 1/ 373، 367، 363، 364، 371، 356.
(2) المصدر السابق 1/ 375.
(3) المصدر السابق 1/ 353، 355.
(4) المصدر السابق 1/ 352.
(5) المصدر السابق 1/ 365
(6) المصدر السابق 1/ 367، 370.
(7) ابن سعد: الطبقات الكبرى 1/ 255، وأبو نعيم: الحلية 1/ 377، وابن سيد الناس: عيون الأثر 2/ 317.
(8) الحلية 1/ 341.
(9) الحلية 1/ 377.
(10) البخاري: الصحيح 1/ 114، وابن سعد: الطبقات 1/ 255.
(11) أحمد: المسند 4/ 128.
(12) لسان العرب مادة"حتك".
(13) أحمد: المسند 3/ 487، والحلية 1/ 374، والسمهودي: وفاء الوفا 1/ 323.
(14) الحلية 1/ 342.
(15) المصدر السابق 1/ 341.
(16) أحمد: المسند 3/ 487، وأبو نعيم: الحلية 1/ 339، 374، والسمهودي: وفاء الوفا 1/ 323.
(17) البخاري: الصحيح 8/ 68، 119، وأحمد: المسند 2/ 515، 3/ 490، وابن سعد 1/ 256، والحلية 1/ 373 - 374، والسمهودي: وفاء الوفا 1/ 323.
(18) ابن سعد: الطبقات 1/ 256.