عليها [1] .
وقد ترتب على تشريع نظام المؤاخاة حقوق خاصة بين المتآخيَيْن كالمواساة بين الاثنين، والمواساة ليست محددة بأمور معينة بل مطلقة لتعني كل أوجه العون على مواجهة أعباء الحياة سواء كان عونًا ماديًا أو رعاية ونصيحة وتزاورًا ومحبة. كما ترتب على المؤاخاة أن يتوارث المتآخين دون ذوي أرحامهم، مما يرقى بالعلاقات بين المتآخين إلى مستوى أعمق وأعلى من أخوة الدم [2] .
وقد طابت نفوس الأنصار بما سيبذلونه لإخوانهم المهاجرين من عون، وتصور بعض الروايات عمق التزامهم بنظام المؤاخاة وتفانيهم في تنفيذه، ومن النماذج الفريدة لهذه المؤاخاة ما حدث بين سعد بن الربيع"الأنصاري"وعبد الرحمن بن عوف"المهاجر"، حيث قال له سعد: إن لي مالًا فهو بيني وبينك شطران، ولي امرأتان فانظر أيهما أحب إليك فأنا أطلقها فإذا حلت فتزوجها. قال: بارك الله لك في أهلك ومالك. دلوني على السوق. فلم يرجع حتى رجع بسمن وأقط قد أفضله. قال: ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ أثر صفرة فقال: مهيم؟ فقلت: تزوجت امرأة من الأنصار. فقال أولم ولو بشاة [3] .
ولا شك أن المرء يقف مبهورًا أمام هذه الصورة الرائعة من الأخوة المتينة والإيثار المتبادل الذي لا نشهد له مثيلًا في تواريخ الأمم الأخرى.
وليس موقف ابن عوف في أنفته وكرم خلقه وعدم استغلاله لأخيه بأقل روعة من إيثار ابن الربيع. فقد تمكن - وهو التاجر الماهر - من شق طريقه في الحياة الجديدة وبعد مدة يسيرة تمكن من الزواج ودفع المهر نواة من ذهب [4] . ثم بورك له في عمله ونمت ثروته ليصبح من كبار أغنياء المسلمين، فقد أبى إلا أن يكون صاحب اليد العليا التي تعطي ولا تأخذ.
إلغاء التوارث بين المتآخين:
لا شك أن التوارث بين المتآخين كان لمعالجة ظروف استثنائية مرت بها الدولة الناشئة. فلما ألف المهاجرون جو المدينة وعرفوا مسالك الرزق فيها، وأصابوا من غنائم بدر الكبرى ما كفاهم، رجع التوارث إلى وضعه الطبيعي المنسجم مع الفطرة البشرية على أساس صلة الرحم، وأبطل التوارث بين المتآخين [5] ، وذلك بنص القرآن الكريم فقال تعالى: (وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله [6] .
فهذه الآيات نسخت التوارث بموجب نظام المؤاخاة، ويرى ابن عباس أن آية (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ، {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُم} نسخت التوارث بالمؤاخاة، فالموالي في رأيه هم الورثة بالرحم {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُم} هم المهاجرون الذين كانوا يرثون بالمؤاخاة. وذكر ابن عباس أن ما ألغي من نظام المؤاخاة هو الإرث أما"النصر والرفادة والنصيحة"فباقية، ويمكن أن يوصى ببعض الميراث بين المتآخين [7] ، ودون وصية لا يرث. وإلى هذا المعنى ذهب الإمام النووي فقال:"أما ما يتعلق بالإرث فيستحب فيه المخالفة عند جماهير العلماء، وأما المؤاخاة في الإسلام والمحالفة علىطاعة الله تعالى والتناصر في الدين والتعاون على البر والتقوى وإقامة الحق فباق لم ينسخ" [8] .
(1) ابن سعد: الطبقات ج 1 قسم 2/ 9.
(2) البخاري: الصحيح 3/ 119 و 6/ 55 - 56 و 8/ 190 - 191
ومسلم: الصحيح 4/ 1960، وابن سعد: الطبقات ج 1 قسم 2/ 9
والبلاذري: أنساب الأشراف 1/ 270، وابن عبد البر: الدرر 96
وابن القيم: زاد المعاد 2/ 79، وابن سيد الناس: عيون الأثر 1/ 200.
(3) النسائي: سنن 6/ 137.
(4) البخاري: الصحيح 5/ 39.
(5) ابن سعد: الطبقات ج 1 قسم 2/ 9.
والبلاذري: أنساب الأشراف 1/ 270، 271. وابن القيم: زاد المعاد 2/ 79.
وابن سيد الناس: عيون الأثر 1/ 200.
(6) سورة الأنفال من الآية 75. وانظر تفسيرها في الشوكاني: فتح القدير 2/ 330 - 331. وعن سبب نزول هذه الآية انظر مسند الطيالسي 2/ 19 والهيثمي: مجمع الزوائد 7/ 28 وقال رجاله رجال الصحيح.
(7) البخاري: الصحيح 3/ 119 و 6/ 55 - 56 و 8/ 190 - 191.
(8) صحيح مسلم 4/ 1960 الحاشية.