فهرس الكتاب
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄

  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
الصفحة 23 من 64

وينفرد ابن سعد بنقل رواية بإسناده إلى عروة بن الزبير تذكر أن إلغاء التوارث بين المتآخين ونزول آية (وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ كان بعد غزوة أحد [1] التي وقعت في شوال سنة 3 ه.

ومن الغريب أن ابن حجر [2] ذكر المؤاخاة بين الحتات التميمي ومعاوية بن أبي سفيان وأن الحتات مات في خلافة معاوية فورثه بالأخوة مكتفيًا في التعليق على الخبر بإبداء تعجبه لأن للحتات بنين يرثونه [3] دون أن يشير إلى إبطال التوارث بالمؤاخاة أصلًا منذ السنة الثانية الهجرية ولا يصح مثل هذا الخبر إلا أن يكون الحتات قد أوصى لمعاوية بشيء من ميراثه لا كله.

استمرار المؤاخاة دون توارث:

ويبدو أن النبي صلى الله عليه وسلم استمر يؤاخي بين أصحابه مؤاخاة مواساة وتعاون وتناصح دون أن يترتب على ذلك حق التوارث بين المتآخين. وهكذا وردت أخبار تفيد أنه آخى بين أبي الدرداء وسلمان الفارسي [4] مع أن سلمان أسلم بين أحد والخندق مما جعل الواقدي والبلاذري ينكران ذلك [5] . وكذلك انكر ابن كثير مؤاخاة جعفر بن أبي طالب لمعاذ بن جبل لأن جعفرًا قدم في فتح خيبر أول سنة 7 ه [6] . ومثل ذلك مؤاخاة الحتات مع معاوية بن أبي سفيان [7] لأن معاوية أسلم بعد فتح مكة سنة 8 ه. وإذا اعتبرنا المؤاخاة مستمرة إلا ما يتعلق بحق التوارث الذي أبطل بعد بدر، فلا موجب لهذا الاعتراض والإنكار الذي أبداه المؤرخون تجاه هذه الروايات.

وكذلك إذا قبلنا وقوع مؤاخاة دون إرث قبل وبعد تشريع المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار فإن ذلك سوف يفسر الالتباس الذي وقع فيه ابن إسحاق عندما أورد في قائمة المتآخين خبر مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم لعلي ومؤاخاة حمزة لزيد بن حارثة وكلهم مهاجرون في حين أن سائر الأسماء الأخرى التي وردت في قائمته توضح أن المؤاخاة كانت بين مهاجري وأنصاري [8] . وقد عقب ابن كثير على مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم لعلي ومؤاخاة حمزة لزيد بأنه لا معنى لهذه المؤاخاة إلا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل مصلحة علي إلى غيره فإنه كان ممن ينفق عليه الرسول من صغرة. وإلا أن يكون حمزة قد التزم بمصالح مولاهم زيد بن حارثة فآخاه بهذا الاعتبار.

ولكن هذا التعليل الذي قدمه ابن كثير غير مقبول لأن المصادر ذكرت مؤاخاة حمزة بن عبد المطلب لكلثوم بن الهدم أو غيره، كما ذكرت مؤاخاة زيد بن حارثة لأسيد بن حضير [9] .

كما أن المؤاخاة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وعلي تقتضي التوارث، والنبي لا يورث كما جاء في الحديث، كما أن البلاذري ذكر مؤاخاة علي لسهل بن حنيف [10] ، وكذلك فإن البلاذري ذكر وقوع مؤاخاة بين النبي وعلي وحمزة وزيد بمكة [11] .

ونخلص من ذلك إلى أن هذه المؤاخاة بين النبي وعليّ وبين حمزة وزيد إذا كانت قد وقعت - فإنها مؤاخاة تقتضي المؤازرة والرفقة دون حقوق التوارث وأنها جرت في غير الوقت الذي أعلن فيه نظام المؤاخاة في دار أنس بن مالك.

وأخيرًا فإن المؤاخاة التي شرعت بين المؤمنين باقية لم تنسخ سوى ما يترتب عليها من توارث فإنه منسوخ، وبوسع المؤمنين في كل عصر أن يتآخوا بينهم على المواساة والارتفاق والنصيحة، ويترتب على مؤاخاتهم حقوق أخص من المؤاخاة العامة بين المؤمنين.

إن استجابة المسلمين لأوامر الله تعالى تظهر في انخلاعهم عن علاقاتهم الاجتماعية والمكانية إذا اقتضت ذلك مصلحة العقيدة.

(1) السيوطي: لباب النقول في أسباب النزول ص 260 نقلًا عن ابن سعد، والشوكاني: فتح القدير 2/ 330 - 331 وقال:"أخرجه ابن سعد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه".

(2) نقل ابن حجر ذلك عن ابن عبد البر الذي اعتمد بدوره على ابن إسحاق وابن هشام وابن الكلبي.

(3) ابن حجر: الإصابة قسم 2 ص 30.

(4) البخاري: الصحيح 5/ 88 و 3/ 47.

(5) البلاذري: أنساب الأشراف 1/ 271.

(6) ابن كثير: السيرة النبوية 2/ 326.

(7) ابن حجر: الإصابة قسم 2 ص 30.

(8) ابن هشام: السيرة 1/ 504 - 507.

(9) البلاذري: أنساب الأشراف 1/ 270.

(10) البلاذري: أنساب الأشراف 1/ 270.

(11) المصدر السابق 1/ 270. وقد ورد خبر مؤاخاة حمزة لزيد في مسند أحمد 1/ 230.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت