بها قريش، ولم تكن في الزراعة والصناعة وهما يشكلان أساسين مهمين في اقتصاديات المدينة، وبما أن التجارة تحتاج إلى رأس المال فإن المهاجرين لم يتمكنوا من شق طريقهم في المجتمع الجديد بسهولة، وكانت مشكلة معيشتهم وسكناهم تواجه الدولة الناشئة، كما أن علائق المهاجرين بالمجتمع الجديد كانت حديثة، فقد ترك المهاجرون أهليهم ومعارفهم بمكة وانبتت صلتهم بهم مما ولَّد إحساسًا بالوحشة والحنين إلى بلدتهم"مكة". إضافة إلى اختلاف مناخ مكة عن المدينة وإصابة المهاجرين بالحمى، وهكذا كان وضع المهاجرين بحاجة إلى علاج سريع وحل مؤقت واستثنائي، ولم يبخل الأنصار بشيء من العون بل أبدوا من التضحية وضروب الإيثار ما استحق التخليد في كتاب الله العزيز (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ. وقد بلغ كرم الأنصار حدًا عاليًا عندما اقترحوا على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقسم نخلهم بينهم وبين المهاجرين لأن النخل مصدر معيشة الكثيرين منهم، على أن الرسول صلى الله عليه وسلم طلب من الأنصار أن يقوموا بإدارة بساتين النخيل ويحتفظوا بها لأنفسهم على أن يشركوا المهاجرين في التمر [1] . ولا نعرف إذا كانت الشركة في التمر محددة بنظام كالمناصفة أو المقصود قيام الأنصار بإعالة المهاجرين في تلك المرحلة. ويبدو أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشأ أن يشغل المهاجرين بالزراعة فهو يحتاجهم لمهام الدعوة والجهاد. كما أن المهاجرين(لا يعرفون العمل) كما عبر الرسول صلى الله عليه وسلم مما يؤدي إلى خفض الإنتاج الزراعي [2] الذي تحتاجه المدينة.
كما وهبت الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل فضل في خططها، وقالوا له: إن شئت فخذ منا منازلنا. فقال لهم خيرًا، وابتنى لأصحابه في أراض وهبتها لهم الأنصار وأراض ليست ملكًا لأحد [3] .
وقد أثرت هذه المعاملة الكريمة في نفوس المهاجرين فلهجت ألسنتهم بكرم الأنصار. عن أنس قال: قال المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساةً في قليل ولا أحسن بذلًا من كثير، لقد كفونا المؤونة وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال:"لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم" [4] .
تشريع نظام المؤاخاة:
ورغم بذل الأنصار وكرمهم فإن الحاجة إلى إيجاد نظام يكفل للمهاجرين المعيشة الكريمة بقانون ظلت قائمة، خاصة وأن أنفة"المهاجرون"ومكانتهم تقتضي معالجة أحوالهم بتشريع يبعد عنهم أي شعور بأنهم عالة على"الأنصار"فكان أن شرع نظام المؤاخاة، ولا تختلف الراويات في تاريخ تشريعه إلا اختلافًا يسيرًا، فهي تجمع على أن المؤاخاة وقعت في السنة الأولى الهجرية، وتختلف إن كان ذلك بعد بناء المسجد في المدينة أو خلال بنائه [5] .ويحدد ابن عبد البر تاريخ تشريعه بعد الهجرة بخمسة أشهر [6] . أما ابن سعد فقد ذكر أن المؤاخاة بعد الهجرة وقبل غزوة بدر الكبرى [7] دون تحديد دقيق لتاريخ تشريعها.
وكان إعلان هذا التشريع في دار أنس بن مالك كما صرحت الروايات [8] ، ووقعت المؤاخاة بين طرفين هما المهاجرون والأنصار، فآخى الرسول صلى الله عليه وسلم، بين كل مهاجر وأنصاري اثنين اثنين.
وقد شملت المؤاخاة تسعين رجلًا خمسة وأربعين من المهاجرين وخمسة وأربعين من الأنصار، ويقال إنه لم يبق من المهاجرين أحد إلا آخى بينه وبين أنصاري [9] . وتتفق المصادر على أن المؤاخاة التي جرت في المدينة كانت بين المهاجرين والأنصار، لكن ابن سعد يذكر أن ثمة مؤاخاة بين المهاجرين أنفسهم وقعت في المدينة إلى جانب المؤاخاة بينهم وبين الأنصار، ولم يذكر أية تفصيلات أخرى توضح هدف المؤاخاة بين المهاجرين أنفسهم، وما يترتب عليها، ولم تكترث بقية المصادر لهذه الإشارة أو تعقب
(1) البخاري: الصحيح 5/ 39.
(2) المصدر السابق 3/ 329.
(3) البلاذري: أنساب الأشراف 1/ 270.
(4) ابن سيد الناس: عيون الأثر 1/ 200 وابن كثير: السيرة النبوية 2/ 328.
(5) ابن عبد البر: الدرر في اختصار المغازي والسير 96، وابن سيد الناس: عيون الأثر 1/ 200.
(6) ابن عبد البر: الدرر 96.
(7) ابن سعد: الطبقات ج 1 قسم 2/ 9.
(8) ابن سعد: الطبقات ج 1 قسم 2/ 9.
وابن القيم: زاد المعاد 2/ 79، وابن سيد الناس: عيون الأثر 1/ 200 وابن كثير: السيرة النبوية 2/ 324.
(9) البلاذري: أنساب الأشراف 1/ 270، وابن سعد: الطبقات ج 1 قسم 2/ 9.